لا يبدو أن غرابة المشهد السياسي العراقي في طريقها إلى التوقف. المشهد شبه الدائم من المفارقة الممزوجة بالمرارة حول ما وصل إليه مستوى المشاركة السياسية اليوم أصبح شيئًا مألوفًا تقريبًا.

بدأ فصل جديد من مهازل العملية السياسية العراقية مع بدءالدورة الانتخابية الجديدة. وبرز بوضوح الإصرار على كسب أكبر قدر من الأرباح حتى لو كان الثمن هو التضحية بالتحالفات التاريخية ووحدة العقيدة والقومية، التي كانت تقوم على أساسها أبجدية تقاسم السلطة وتشكيل الكتل السياسية في العراق. في 15 سبتمبر (أيلول) الماضي، تم انتخاب محمد الحلبوسي رئيسًا للبرلمان الجديد. كان الحلبوسي محافظًا سابقًا للأنبار، رغم صغر سنه، وهو من مواليد عام 1980. رشح للبرلمان كممثل للمشروع العربي أحد أقطاب تحالف البناء، بالإضافة إلى كتلتي الفتح ودولة القانون. لم يكن أحد يتصور أن المشروع العربي برئاسة خميس الخنجر، أحد أبرز مؤيدي سقوط الموصل عام 2014، واصفًا إياه بأنه ثورة ضد الحكم الطائفي عندما كان رئيس الوزراء آنذاك رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ودعواته القوية لمعالجة ما يسميه النفوذ الإيراني والميليشيات في العراق، سيجلس بجانب المالكي ذاته، وهادي العامري، أحد أبرز قادة الحشد الشعبي خلال الحرب ضد «داعش»، والمعروفان بعلاقاتهماالوثيقة بإيران!

على الرغم من أن الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب يشددان على أن انتخاب رئيس البرلمان يتم عن طريق الاقتراع السري من قبل الأعضاء، إلا أن جلسة انتخاب الحلبوسي شهدت مخالفات لا يمكن تصورها، بدءًا من مخالفة نص المادة 55 من الدستور بوجوب انتخاب رئيس المجلس ونائبيه في الجلسة الأولى، وهو ما تم التجاوز عنه بشكل صارخ، حيث تم انتخاب الحلبوسي بعد مرور أكثر من أسبوعين على انعقاد الجلسة الأولى، مرورًا بقيام كل نائب بتصوير ورقة الاقتراع التي صوت من خلالها بواسطة هاتفه الشخصي! وهو ما مثل مخالفة صريحة لذات المادة المذكورة التي نصت على أن انتخاب رئيس المجلس يتم بالاقتراع السري المباشر.. وبالطبع فان ما قام به النواب كان شرطًا لضمان عدم خرق أي منهم لاتفاق المشاركة في المناصب! ومع أن هذه المخالفات كانت واضحة للغاية، بل موثقة إلا أن أحدًا لم يكلف نفسه عناء محاولة التحدي أو تسجيل اعتراضه لدى القضاء على تلك الخروقات. ناهيك عما تم تداوله في وسائل الإعلام حول شراء منصي رئيس المجلس بمبلغ يقارب 40 مليون دولار، وتداول تلك التصريحات عبر وسائل الإعلام بشكل علني.

بعد نهاية هذا المشهد انتقل الاهتمام إلى ما يلي: انتخاب رئيس الجمهورية. ووفقًا للمحاصصة، التي يبدو أن الجميع يريدون الحفاظ عليها كممارسة شائعة، فإن رئاسة البلاد هي حصة التحالف الكردستاني، الذي يضم في الأساس الحزبين الكرديين: الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي. منذ عام 2005، السنة التي تم فيها تشكيل المظهرالحالي لتقاسم المناصب السيادية في العراق، كانت الرئاسة من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، في مقابل تفرد مسعود بارزاني، برئاسة إقليم كردستان.. على هذا النحو، تولى طالباني رئاسة البلاد لفترتين متتاليتين، 2006-2014، أمضى السنتين الأخيرتين منها خارج العراق، حيث كان يخضع للعلاج في ألمانيا. لكن منطق الحصص وعدم وجود أي رغبة في مجرد طرح فكرة البديل، جعلت نائبه خضير الخزاعي هو القائم باعماله. ثم جاء الرئيس الحالي فؤاد معصوم في عام 2014 كأحد أقطاب حزب الطالباني وامتازت فترته بغياب شبه كامل عن أداء دور فاعل في الحياة السياسية.

واليوم، ووفقًا لمبدأ المحاصصة هذا، رشح برهم صالح، أحد القادة السابقين في الاتحاد الوطني، الذي عاد إليه مؤخرًا، وفؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان لمنصب رئاسة البلاد. من المفارقات أن كليهما صوّت قبل عام واحد فقط في استفتاء انفصال كردستان الذي تم إجراؤه من طرف الإقليم في سبتمبر 2017! والمفارقة أيضًا أن جميع الذين شاركوا في الاستفتاء تم وصمهم من قبل جميع الكتل السياسية الأخرى على أنهم ضد وحدة العراق، ومحرضون على تقسيمه، ولكن في مهزلة العملية السياسية في العراق، من الممكن أن نجد أولئك الذين يفكرون أن حدود العراق غير مقدسة، وأن انفصال أي قومية فيه حق دستوري، رؤساء لهذا البلد! ومن كان يصفه بأنه انفصالي بالأمس، يمكنه أن يصوت له اليوم!

فاز برهم صالح برئاسة الجمهورية في جلسة هزلية أخرى جرت بشكل مغلق، دون تقديم سيرة ذاتية للمرشحين ودون السماح للمرشحين المستقلين بدخول قاعة المجلس ومراقبة عملية التصويت! وشهدت أيضًا انسحاب فؤاد حسين بأمر من بارزاني حسب ما أفاد به مكتبه! تخيل معي لو أن القدر قد أكمل عدم رأفته بالعراق وأصبح شخص كهذا رئيسًا للجمهورية؟ أقسم برهم صالح كما في نص المادة 50 من الدستور بالحفاظ على استقلال العراق وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي! ودخل قصر السلام في مشهد ما كان ليحلم به في أكثر فترات زهو خياله وأعظمها.

بمجرد انتخابه، كلف صالح رسميًا، مرشح كتلة البناء، السياسي المعروف عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة.. عبد المهدي شغل منصب وزير المالية عام 2004 ونائب الرئيس 2005-2011 ووزير النفط 2014-2016. ترشيح عبد المهدي جاء إنهاء لسيطرة شخصيات حزب الدعوة على منصب رئاسة الوزراء منذ 2005، وحيث إن الترشيح جاء استيفاءً للشكل الرسمي المتمثل في تكليف مرشح الكتلة الأكثر عددًا بتشكيل الحكومة وفق تفسير المحكمة الاتحادية اللامنطقي لنص المادة 76 أولًا من الدستور، إلا أن الحقيقة الفعلية تفيد كذلك بأن ترشيح عبد المهدي جاء بالاتفاق مع تحالف الاصلاح الذي يشكل فيه مقتدى الصدر وعلاوي والنجيفي أبرز أقطابه.. الصدر الذي ما انفك يطالب بحكومة تكنوقراط مستقلة أعلن عدم ترشيح أي من أعضاء تحالفه في الحكومة المقبلة، فضلًا عن تأكيده أن اختيار عبد المهدي جاء تلبية لتوجيهات المرجعية في النجف، رغم أن الأخيرة أعلنت صراحة في بيان رسمي سبق انعقاد البرلمان الجديد بأنها وإن تركت مسألة اختيار شخص رئاسة الوزراء إلى الكتل السياسية، فإنها تنادي باختيار شخصية من خارج الطبقة التي تسلمت مناصب في الدولة العراقية منذ عام 2003، بالإضافة إلى صفات الحزم والعزم والكفاءة والصفات العامة الأخرى التي وردت في بيانها بتاريخ 22 يوليو (تموز) الماضي، وأنها لن تتفاعل مع أي شخصية تأتي بخلاف ذلك.. فضلًا عن تناول بعض وسائل الإعلام تصريحات بأن عبد المهدي سيطالب الكتل السياسية بتقديم أربعة مرشحين لشغل الحقائب الوزارية التي ستكون من حصتها!

لا ريب أن عبد المهدي المعروف عنه ميله إلى الاستقالة من مناصبه بعد تبوئه لها بفترة، لن يقوم بأكثر مما قام به سلفه حيدر العبادي في مجال مكافحة الفساد السياسي الممزوج بالمال، ذلك الداء الذي ينخر جسد الحياة السياسية العراقية بكافة مفاصلها، والذي لم يخرج عن دائرة التصريحات الإعلامية رغم الدعم السياسي والشعبي، الذي تمتع به العبادي قبل أحداث البصرة الأخيرة، فمنصب كهذا لا يمكن حتى السماح بمجرد أن يرشح له شخص من خارج الدائرة السياسية وفق ضوابط متفق عليها سلفًا.

جميع الشخصيات الموجودة اليوم في العملية السياسية العراقية تهين بعضها البعض بأقبح الأوصاف. كل واحد منهم استخدم جمهوره للتغلب على الآخر وجمهوره، لكن في النهاية يجلسون اليوم لتقاسم الغنائم، بينما يفقد الآلاف من جمهورهم حياتهم في لعبة كسر العظم السياسي العراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد