وقفتُ هنا على شاطئ بحيرة مرمرة ونظرتُ إلى السماء؛ فرأيتُ الشمس بدأت تغيب عن أرجائها. ثم وقع انسجام هادئ بيني وبين هذه الطبيعة؛ فإذا بالكون والطبيعة يُشرقان نورًا في نفسي.

كان ذلك اليوم هو آخر يوم من شعبان. وبجانبي أحد الأصدقاء المترفين الذين تعودوا على اللذة بجميع أنواعها، ولم يعد يميّز بين شهور العام!

عجبًا؛ نزلت السكينة على قلبه فابتعد عن المادة ابتعادًا كاملًا؛ وألقى نفسه في ليالي رمضان وخلق أجواء روحية خاصة لتسمو بهما نفسه؛    فيسافر لساعات عن الحدود الأرضية المادية.

انتهى الفيلسوف العقلاني الأخلاقي (إيمانويل كانط) بأن الأخلاق واجبة على كل إنسان عاقل، وأن القانون الذي يأمر بالأخلاق واجب التقيّد به والإنسان يجب أن يكون مُشَرّعًا لذلك القانون.

وفي الحقيقة لم أجد فلسفة تحدثت عن الأخلاق خيرًا من الأخلاق التي دعا إليها محمد (عليه الصلاة والسلام). ولم أرى اهتمامًا بالسلوك أكثر من اهتمام الإسلام؛ بالسلوك الإنساني؛ لذا وجب رمضان على المسلمين.

وفلسفة الصيام تختصر رؤية الإسلام لجسم الإنسان أولًا، ثم نظرته للمجتمع وللإنسان والإنسانية. فتتضح قوة الانضباط الذي تؤدي إليه هذه العبادة المنظمة. فكأنها عبادة لتربية النفس البشرية على الفضائل.

إن الفائدة النفسية من الصيام تَعزيز قُدرة التحكم في الحواس؛ لذا وجب الصوم على كل مسلم بالغ. فالصوم هو: الامتناع عن الطعام بهدف إصلاح الفرد داخل محيطه الاجتماعي ليكون على قدر من الأخلاق.

ومن خلال هذه العبادة يُزرع في النفس الزهد في الذات، وحب الآخرين، والشعور بهم؛ حتى يحقق الفرد قيمة المجتمع بدلًا من الاكتفاء بذاته، وتقديمه للمجتمع كإنسان أخلاقي تغذت نفسه بالفضائل.

وبعد ضبط النفس وربطها بالواقع الاجتماعي، أصبح الإنسان مستعدًا لتلقي قِيَمَ الإنسانية والرحمة من خلال شعوره بالجوع الذي عاشه في تلك الساعات التاريخية التي قدّمت للصائم مفهوم الفقر والجوع!

فاستوعب بطريقة حسية قيمة التخلي عن غذائه ومعايشة معنى الفقر والجوع، الذي عاشه بيومه الرمضاني؛ ولو بطريقة مؤقتة تساعده على إدراك الحِكمة الإلهية في وجوب الصوم على المسلمين.

وبدلًا من المساواة في الجانب الاقتصادي بين الناس كان الإسلام أكثر موضوعية، وحكمة فقرر المساواة بين البشر في لحظات كالجوع المتمثلة في الصيام ليصل إلى فكرة سامية؛ أنه لا فرق بين الصائمين!

ولكي يفهم الغني الفقر أوجب عليه الصوم لساعات؛ حتى يستشعر حاجة الفقير إلى الطعام، ومن هنا إذن، كان تحفيز الأغنياء وتربيتهم، وحثهم على إخراج تلك الصدقة للمحتاجين أمرًا إنسانيًّا واجبًا ومنه الإرادة.

وهنا يتفوق الدين الإسلامي على سائر الفلسفات الاجتماعية التي طالبت بمساواة البشر عن طريق المال؛ وهنا تأتي الاشتراكية بفكرة المساواة بين الطبقات الاجتماعية، فتنزع جميع الملكيات الخاصة!

والتاريخ أثبت لنا ضعف النموذج الاشتراكي، وإن كان قد توسع في القرن الماضي، والذي قبله إلا أنه غير مستقيم فلسفيًا، وليس بعادل في بنيته الاجتماعية؛ فبدلًا من حل مشكلة الفقر طالبوا بنزع الملكيات!

وبعد دراسة التاريخ من قبل، إنجلز وماركس، أظهراه على أنه مجموعة طبقات متصارعة اقتصاديًّا ولم تأتِ الحلول الحاسمة للقضاء على تلك المشكلة؛ بل رأينا الصراع قد استمر من أجل القضاء على البرجوازية!

ولكن الأسلوب المتعلق بترويض الجسم عن طريق الصوم فيه فائدة اجتماعية أكبر، تنحل بها كل مشكلة من المشاكل الاجتماعية المتعلقة بالغنى والفقر على شكل عبادة مفروضة في شهر رمضان من كل سنة!

ذلك الإبداع الإلهي، وتلك الحكمة الإلهية المتجسدة في الشعائر الإسلامية؛ لتعزيز القيم الفاضلة، ويدعي الجميع- بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية – إذ يرى الإنسان على أنه عبدٌ لله مستخلفٌ في أرض الله.

ولا فرق بين غني وفقير في شهر رمضان. فالجميع يصوم، ويفطر، ويعيش تلك اللحظات نفسها، ويتلقى تلك المعاني الفاضلة؛ لمدة ثلاثين يومًا، هي مدة شهر رمضان المبارك؛ وتلك هي فلسفة الصيام الراقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد