الحمد لله وصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

أحد الأسباب التي دفعتني للدخول إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي هو اقتفاء أثر أولئك الذين يملكون الرؤية الثاقبة والرأي السديد والحكمة في القول في كل ما يطرأ على الساحة الإعلامية، ومن الصعب جدًا في هذا الزمان إيجاد هذا النوع من الناس، إلا أن ذلك لم يمنعني من السعي وراء ذلك، كان هذا منذ وقت ليس ببعيد وإلى أن جاءت قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والتي منذ أن اشتعلت يوم الثلاثاء الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) وحتى لحظة كتابة هذه السطور تتعارض فيها الأقوال عند المتحدث الواحد، تجده تارة يقول إن خاشقجي وصل إلى السعودية، وتارة أخرى تجده يقول إنه ما زال موجودًا في القنصلية السعودية في تركيا.

مثلي مثل غيري سأحاول استثمار ما عندي حتى هذه اللحظة ساعيًا لفهم ولو جزء بسيط مما يحدث، ولغموض الحدث أرى أن نرجع إلى الوراء وتحديدًا وقت خروج جمال خاشقجي من السعودية إلى الولايات المتحدة، فالرجل كما اعترف هو ليس معارضًا ولا ضد وجود أسرة آل سعود بما فيهم ولي العهد محمد بن سلمان على رأس السلطة، ولكن ينتقد كل ما يراه غير صحيح، ولأن هذا النقد لن يعجب القيادة في السعودية فقد كان من الذين وصلتهم التوجيهات بالامتناع عن الحديث والكتابة بأي شكل للعلن، وذلك في أواخر عام 2016، استمر هذا الوضع لبضعة أشهر ثم تم السماح لخاشقجي بالخروج إلى الولايات المتحدة، ومما لا شك فيه أن النظام يعلم تمامًا ما هي آراء خاشقجي وتوجهاته عندما خرج من السعودية، وهو ما زال على هذه الآراء والأقوال حتى اختفائه الغامض.

في الثاني من أكتوبر أبلغت السيدة خديجة آزرو أو Hatice Cengiz عن دخول خطيبها الصحافي جمال خاشقجي إلى القنصلية السعودية في إسطنبول الواحدة ظهرًا للقيام ببعض الإجراءات ولم يخرج منها، وهي ممنوعة من الدخول إلى القنصلية بطبيعة الحال وقتها، وبالتالي لا تعلم ما الذي حدث بالداخل أو سبب عدم خروجه، انتشرت الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وبدأ الجميع يتساءل عن الذي حدث للرجل وأين مكانه.

الجهات الرسمية السعودية في البداية امتنعت عن التصريح أو الإدلاء بأي معلومات تفيد بمكان الرجل للإعلام، أفاد الذين يعملون بالقنصلية للسيدة خديجة أن خاشقجي قد قضى إجراءاته وخرج بالفعل من مبنى القنصلية، بعد ساعات ورد خبر على وكالة الأنباء السعودية أن السلطات في السعودية تسلمت من الإنتربول شخصًا متهمًا بقضايا مالية ولم يتم الإفصاح عن هوية ذلك الرجل، في ما بعد أعلنت الجهات الرسمية ما قاله موظفو القنصلية للسيدة خديجة أن الصحافي خاشقجي دخل إلى القنصلية لأداء إجراءاته ثم خرج منها، وأنهم مستعدون للتعاون مع تركيا للتحقيق في الموضوع والوصول إلى معرفة مكان جمال خاشقجي، الأمير محمد بن سلمان قال في مقابلته مع بلومبرج إن خاشقجي أدى إجراءاته ثم خرج من مبنى القنصلية بعد دقائق قليلة أو ساعة مع ذكر أنه ليس متأكدًا من مدة وجوده داخل المبنى، ثم كان آخر ما صرّح به القنصل السعودي هو أن كاميرات المراقبة لم تسجل خروج الصحافي خاشقجي من المبنى.

المصادر التركية في البداية أفادت بأن القوات التركية اقتحمت بالفعل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول للبحث عن الصحافي خاشقجي المختفي، بعدها بوقت وردت أنباء من حسابات مثل حساب «معتقلي الرأي» على تويتر وحساب «مجتهد» أن الصحافي خاشقجي قد تم تهريبه من القنصلية ثم إلى خارج تركيا، وهو موجود في الرياض بالسعودية، وردت مقابلها تصريحات من جهات رسمية أو أمنية تؤكد بأن جمال خاشقجي ما زال موجودًا داخل الأراضي التركية ولم يخرج منها، ثم وردت أخبار عن مصادر مثلها أن خاشقجي ما زال موجودًا داخل مبنى القنصلية إلى ذلك الوقت ولم يخرج منه.

ثم وردت أنباء مساء السبت، أي بعد أربعة أيام من اختفاء خاشقجي تفيد بالعثور على جثته في مكان ما بإسطنبول، ثم وفي عصر الأحد وقبيل كتابة هذه السطور جاءت تصريحات أردوغان بأن السلطات التركية تعمل على قضية اختفاء الصحافي خاشقجي، وأنهم في انتظار نتائج التحقيقات، وأنهم متفائلون بنتائج إيجابية.

جمال خاشقجي صحافي له وزن كبير في وسط الصحافة والإعلام العربي، وكذلك الأجنبي، يشهد له كل أو معظم من يعرفونه بالخير، لديه عمود مقالات في صحيفة واشنطن بوست أحد أعرق الصحف في أمريكا، والتي خصصت له مساحة فارغة كان من المفترض أن يكتب فيها مقاله، وذلك تعبيرًا عن تضامن الصحيفة مع الرجل ووضعه المجهول، ولذلك كان خبر اختفائه هو العنوان الأبرز لكل وسائل الإعلام العربية والعالمية، وكان منفذًا لتسليط الضوء على وضع حرية التعبير في المملكة، والتضييق على أصحاب الرأي المغيبين في السجون أو المعتقلات.

لا كثير مما يمكن قوله عن الموالين للنظام السعودي أو المؤيدين له ولما يفعل، فمنهم من استحى على ما يبدو من ذكر اسم الصحافي جمال خاشقجي في أول تعليق له على خبر اختفائه، ومنهم من قال بضرورة القبض على خاشقجي لما أسماه بالخيانةأ ومنهم من حاول أن يوجه أصابع الإتهام نحو «المخابرات القطرية»، وآخرون نحو خطيبته السيدة خديجة، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك، ثم حدث ولا حرج لما يفعله الذباب الإلكتروني، الغريب والمؤسف وكما قال الدكتور نايف بن نهار: «بعض الإعلاميين يلقون محاضرات ودورات في المهنية والمصداقية في نقل الأخبار، وهم أكثر الناس طيشًا في نقل الأخبار». تجلى هذا الأمر بوضوح في الكثير من الشخصيات التي تعمل في مجال الإعلام والمحللين وغيرهم من المتابعين الذين كتبوا أبلغ عبارات العزاء لفقدان الصحافي جمال خاشقجي، وعبروا عن أساهم الشديد في الفقد الجلل، كتبوا نعيهم لرجل استنادًا على أخبار لا توجد أي أدلة عليها، ولا حتى كانت صيغتها توحي بالقطع بمحتواها، وحتى لحظة كتابة هذه السطور وبعد تصريحات الرئيس التركي أردوغان ما زال البعض يكتبون عن استشهاد خاشقجي.

وحتى الذين كانت تعليقاتهم مشروطة بصحة الخبر غير معفيين من اللوم، كونهم خاضوا في تعداد مآثر الرجل بصيغة لا تختلف بحال عن ذلك الذي يقال فيمن توفاهم الله عز وجل، إضافة إلى أن تعليقاتهم ستنضم إلى الموجة العاتية التي تدفع المتلقي إلى التسليم بما لم يتم التأكد منه بعد، ولذا فكان الأولى بهم الدعوة إلى التريث والامتناع عن التعليق حتى يتثبتوا.

كان الأولى بهؤلاء مراعاة الصدمة التي قد تحدث لآل الصحافي خاشقجي، والحالة التي قد يكونون فيها وهم يتابعون هذا السيل من كلمات التعزية بالرجل وتعداد مآثره بطريقة توحي بأن وفاته أو مقتله أمر مقطوع به، ثم يكتشفون فيما بعد أن هذا الخبر الذي استند عليه هؤلاء لا أصل له وغير ثابت، الله وحده يعلم مقدار الضرر النفسي والمعنوي الذي وقع على السيدة خديجة التي رافقته ذك اليوم إلى القنصلية، وهي أول المطالبين بعودة الرجل سالمًا.

في ما عدا أن كل هذا الرثاء اغترارًا بفكرة أن يكون هناك شهيد رأي وقضية حرية تعبير للدندنة حوله وحول مسيرته، فلا يوجد أي مبرر لكل هذا، خاصة أنه لم يراع كل ضوابط العمل الإعلامي والصحافي الأساسية حول التثبت والتحقق من الخبر، وأبرز المتصدرين لهذا السيرك هو قناة الجزيرة التي لم يبق لها سوى أن تحدد موعد مراسم الدفن لرجل لم يعلم أحد بعد مصيره ومكانه سوى أولئك الذين كانوا آخر من كانوا معه.

لم أقل كل هذا لأنفي خبر مقتل الصحافي جمال خاشقجي، فمقتله وارد حتى لو كان النظام السعودي نفسه هو من سمح له بالخروج في يوم ما ليعبر عن رأيه بحرية، فنظرة النظام له من الممكن أن تتغير أو تعيد النظر في حالته، أو حتى أنهم ضاقوا به ذرعًا أو أي شيء آخر قد حدث، ولكن رسالتي هي الانضباط المهني في التعامل مع الأخبار التي ترد من هنا وهناك، وكثرة تردادها حتى لو كان مشروطًا بالتحقق من صحتها لن يكون عند المتلقي شيئًا غير التسليم بها.

الذي يملك الإجابات الشافية فقط هو السعودية، والسعودية حسبما يعرف الجميع لن تقدم تلك الإجابات، وعلى أي حال فأيًا كان الذي حدث لجمال خاشقجي فالسعودية هي المتهم الوحيد، بالنسبة لتركيا فتلك المصادر الرسمية والأمنية والمطلعة والموثوقة التي تؤكد توفر أدلة دامغة منذ اليوم الأول تقريبًا لم تقدم أي شيء حتى هذه اللحظة، ومع تصريح الرئيس أردوغان يظهر تساؤل عن وجود هذه الأدلة أصلًا، وإن كانت موجودة فلماذا تتأخر كل هذا الوقت، لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال، ولكن أذكر الناس بأن علاقة النظام السعودي مع النظام التركي شيء آخر تمامًا غير ما يقوله الإعلام السعودي حتى لا يأملوا في ما يسمونه موقف جاد وحازم وصارم تجاه ما حدث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد