مقدمة

الحداثة مشروع غربي، قام على قاعدة الصراع بين المؤسستين الدينية والسياسية في أوروبا، مستهدفًا القطيعة مع أسس هذا المجتمع القائمة على: الدين الكنسي، والأعراف والتقاليد التي سادت في القرون الوسطى. والتي رأى مفكرو عصر التنوير، ضرورة الثورة عليها، وبناء أسس جديدة تدخل أوروبا التاريخ من جديد.

والحداثة، في قاموس أكسفورد، تعني «المناهج الجديدة والاعتقاد في العلم، والتخطيط، واشتهاء التماثل، والنظام، والتوازن، والثقة في التقدم بلا حدود»(1)، وجوهر مشروعها، يتمثل في مركزية العقل، ووضع الدين في دائرة الشخصي، والترشيد الاقتصادي والتصنيع، والديمقراطية السياسية، والعقلانية في التنظيم الاجتماعي.

فالعقل لا الدين، هو أساس الحياة الحداثية الجديدة، فـ«من المستحيل أن نطلق كلمة (حديث) على مجتمع، يسعى قبل كل شيء، لأن ينتظم ويعمل طبقًا لوحي إلهي أو جوهر قومي»(2). لكن هذا لا يعني «أبدًا القضاء على الدين، كما يفهم البعض عن خطأ حداثة أوروبا، فالدين في أوروبا لم ينته بعد انتصار الحداثة، وإنما تحول مفهومه وتعقلن وتجدد»(3).

وتعد التجربة الغربية في التحديث، هي النموذج العملي للحداثة. فالتحديث قرين الحداثة، ولهذا فإن «القول بوجود الحداثة، من دون تحديث وسواسي قهري، إنما هو تناقض لا يختلف عن القول بوجود رياح لا تهب، أو نهر لا يجري»(4).

ولكن مفهوم الحداثة، الذي بلوره فلاسفة التنوير، أيضًا، يعد مشروعًا غير مكتمل(5)، فهذا المشروع «لا يحدد لا ثقافة ولا مجتمع، إنه يشعل الكفاح ضد المجتمع التقليدي، أكثر من كونه يلقي الضوء على آليات عمل مجتمع جديد»(6).

ولذلك، ظل التباين في النظر إليها على أشده في الثقافة الغربية نفسها، حتى وصلنا اليوم لمرحلة ما بعد الحداثة، التي تعد بمثابة رفض لكثير من الأسس التي قامت عليها الحداثة ذاتها(7).

الفكر العربي والحداثة:

ارتبطت الحداثة، في الفكر العربي، بمسألة التحديث المادي والنهوض الحضاري، ومحاولة إخراج العرب من دائرة التراجع التي عانوا منها طويلًا. فقد أنتج الصراع بين عالمي الإسلام والغرب، منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم، حوارًا فكريًّا شاملًا بينهما، «تخلله التقليد والاقتباس والاستلهام والتأويل والحوار والنقد، أي جميع أنواع الصلة التي يمكن أن ينسجها فكر مع آخر يؤثر فيه»(8).

وقد انقسم الفكر العربي، في رؤيته للحداثة، إلى زوجين متباينين:

الزوج الأول، يمثله المفكرون الإسلاميون، وهم ينقسمون إلى فريقين: الأول يمثله المتشددون، الذين يرون أن الحداثة «تتنافى مع الدين والأخلاق الإسلامية، وأنها ما جاءت لبلادنا إلا لتهدم كل ما هو إسلامي من: دين ولغة وأدب وتراث»(9). ولهذا، جاءت- عندهم- موسومة بكل السمات السيئة، ومحملة بكل المعاني المرفوضة. وهم يرون أن سدنة الحداثة في بلادنا انحرفوا عن كل ثوابت الأمة الدينية والثقافية، وأن حداثتهم حركة مضللة ساقطة، تدمر معتقدات الأمة، فهي :«اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة»(10).

والحداثة، لديهم، تدمر التراث وتقضي عليه، وتحرر الناس من إساره، وتطلقهم ليتحرروا ويمارسوا «إنسانيتهم» كما يمارسها الغرب، وأن الغرب قد نبذ الدين فلننبذ (نحن أيضًا) الدين.(11)

والفريق الآخر، لا يرفض الحداثة، لكنه يراها منجزًا غربيًّا؛ فيه المفيد وغير المفيد، وهم يدعون إلى إعادة ربط جوانبها المضيئة بثقافتنا العربية الإسلامية، دون السقوط في شراك شرورها، ويلحون على ضرورة إنجاز حداثة عربية نابعة من واقعنا ومعتقداتنا.

وينتقد هؤلاء، الفكر العلماني العربي الذي يدعو إلى الحداثة؛ سواء كان ماركسيًّا أم ليبراليًّا، مشددين على أن معظمه يتسم «بمنهجية تعتمد على إصدار الأحكام المتسرعة والإطلاقية عند تناول مجتمعاتنا أو تراثنا، لاسيما حين يعنون به الإسلام».(12)

فالحداثيون العرب، يروجون لحداثة «أقامت قطيعة معرفية مع الموروث الديني اللاهوتي، وأسست معالمها على الفلسفة الإغريقية والقانون الروماني، والعقل والعلم والفلسفة والتجربة، بدلًا من الله والدين واللاهوت.(13) بل إن كثيرًا من دعاتها في العالم العربي، يرددون ما يقوله الغرب عن الحداثة الغربية، دون أن يطرحوا رأيهم ورؤيتهم في الموضوع، فيتبنون أفكار الحداثة دون أن يدرسوا ما يتلوها من نتائج».(14)

وعلى الرغم، من أن غالب هؤلاء، يرون أنه «ليس ثمة صراع بين الغرب الإنسان والإسلام الإنسان بالمعنى الحاد، بل هناك مواقع للقاء ومواقع للخلاف، تمامًا كما تختلف تقاليد بلد إسلامي عن تقاليد بلد إسلامي آخر، أو كما تختلف تقاليد بلد غربي عن تقاليد بلد غربي آخر»(15).فإنهم ينعون على هؤلاء الحداثيين أنهم يستدعون «التطبيق الغربي»، ويسعون وراءه، ويهملون الروح المولدة للفعل الحداثي الحقيقي، أي تمثل شروط روح الحداثة في الفعل، وبالتالي الإتيان بتطبيق جديد يتجاوز المنجز الغربي.(16)

والزوج الثاني، من المفكرين العرب المهمومين بالحداثة الغربية، هم «التنويريون» أو «العلمانيون»، وقد تجسد معنى الحداثة لديهم في: العقلانية، والعلمانية، ونقد التراث.

وهم، أيضًا، يختلفون فيما بينهم، في رؤيتهم للحداثة إلى فريقين. الأول منهم، يرى أن الحداثة هي مستقبلنا ولا مستقبل لنا غيره، حتى إن طه حسين أعتقد يومًا «أن ثقافة أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا ستعيد إلى الذهن المصري كل قوته وخصبه»(17). ويرى مراد وهبة أن «الحداثة من ثمار التنوير، والتنوير يمكن إيجازه في مبدأ واحد هو سلطان العقل، فإذا كان التنوير ينطوي على العلمانية، فإن الحداثة علمانية بالضرورة، ومعنى ذلك أن العلمانية هي أصل التنوير والحداثة».(18)

ويذهب جابر عصفور، إلى أن «الحداثة، تعني: الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل: الذي هو نقيض النقل».(19) وأن «الحداثة ضد كل مشروع ينطوي على مطلقات يقينية».(20) ويشدد محمد أركون على أن «النضال من أجل إدخال الحداثة، يشكل الحلقة الرئيسية لقوى التغيير في المجتمعات العربية، مطالبًا بتجاوز التراث لأنه غير صالح لبناء حداثة معاصرة».(21)

في حين نجد الفريق الثاني، ينهج نهج الاعتدال في رؤيته للحداثة، فمحمد عابد الجابري، يرى أن «الحداثة تعني أولًا وقبل كل شيء حداثة المنهج وحداثة الرؤية. فليست هناك حداثة مطلقة، عالمية وكلية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت إلى آخر، وبعبارة أخرى الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي ككل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها، محدودة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور».(22)

ويؤكد برهان غليون، أن السؤال الجدي في علاقتنا بالحداثة ليس «هل نأخذ بالحداثة أم نتركها، أو هل نصبغها بتراثنا أم لا نصبغها؟ ولكن كيف نصنع الحداثة، أو كيف نسيطر على دينامياتها الحقيقية المنتجة والمبدعة، خاصة، أن «أيديولوجية الحداثة»، لا تعني الحداثة».(23)

حوار الطرشان:

أنتج الصراع على الحداثة، بين الإسلاميين والعلمانيين – المشبعين بالسياسة لا بالمعرفة- تشكيل صورة نمطية عن الغرب في الثقافة العالمة والثقافة العامية تراوحت بين: التبعية الكاملة والرفض الكامل، وهما وجهان لعملة واحدة افترضت مركزية الغرب، وأنتجت علاقة مضطربة معه، أثمرت مرحلة الغربوفوبيا التي نعيشها اليوم، في مواجهة الإسلاموفوبيا التي يعيشها الغرب.

ففي غمرة انشغالهم في تحديد: أي الفريقين أقوم طريقة في فهم الحداثة، ومن منهم له حق امتلاكها، وبالتالي حق تعريفها واستخدامها والحكم عليها، لم يكن لدى غالبية التيارين، وقت كاف للتأمل العميق في مسألة الحوار مع الغرب، أو فهم تفكيره، أو كيف تكونت صورة الإسلام/ الغرب السلبية في الوعي الجمعي الغربي/ الإسلامي. فقد حال بينهما حاجز التحيز الأيديولوجي، فلم يستطيعا تأسيس رؤية معرفية لعلاقتنا مع الغرب.

ولهذا جاءت كل مقارباتهم للحوار مع الغرب، ردود وتفسيرات نمطية، في مجابهة الصور النمطية الغربية عن الإسلام. وغابت الجهود الحقيقية والواجبة لدراسة الغرب وحداثته، وإنتاج تصور علمي عنه. فقد أنتجت وجهتي النظر هاتين، نظرة حولاء وجزئية للغرب وحداثته، ألقت بظلالها على علاقة العالمين.

وإن أي مراجعة شجاعة وصادقة، لحصيلة مجادلاتنا حول الغرب وحداثته طيلة أكثر من قرن من الزمان، تؤكد أن هناك خللًا في علاقة مفكرينا بالغرب. فكلا الفريقين: العلماني والإسلامي، يشتركان في شعور واحد، هو كونهما ممزقين بين موقفين مستحيلين بالدرجة نفسها: عدمية الانغلاق، وسطحية التخلي عن الهوية، وكلا الموقفين: استسلام ووقوع في شرك التبعية الفكرية أو تمجيد الذات.

فلا نحن تجنبنا أخطاء الحداثة والتحديث، ولا نحن أيضًا تحصلنا مباهجهما، ذلك لأن المعرفة الحقة بالغرب وحداثته، لم تكن هي أساس تعاملنا معه. ولتظل صورة الحداثة الغربية في أفكار وواقع المسلمين، بحاجة ماسة وواجبة إلى البعد المعرفي.


هوامش الدراسة:

1- وهبة، مراد، «الحداثة برؤية علمانية»، الديموقراطية، السنة الخامسة عشرة، العدد 58(2015م)، ص.50.

2- تورين، آلان، نقد الحداثة (القاهرة:المجلس الأعلى للثقافة، 1997م)، ص40.

3- صالح، هاشم ، «هل الحداثة معجزة أم أسطورة»، البيان(دبي)، تاريخ الدخول 16/10/2016م، على الرابط التالي:

http://www.albayan.ae/opinions/1179665297715-2007-05-25-1.172910

4- باومان، زيجمونت، الحداثة السائلة، (بيروت:الشبكة العربية للأبحاث، ط1، 2016م)، ص 30.

5- هابرماس، يورجن، القول الفلسفي للحداثة:ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق:وزارة الثقافة، 1995م)، ص5.

6- تورين، آلان، نقد الحداثة، مرجع سابق، ص40.

7- للمزيد من النقاشات المعمقة حول الحداثة وما بعد الحداثة، راجع:

المسيري، عبد الوهاب، الحداثة وما بعد الحداثة (دمشق:دار الفكر، 2003م)

بيرمان، مارشال، حداثة التخلف:ترجمة فاضل جتكر (نيقوسيا: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر،ط1، 1993م)

هارفي، ديفيد، حالة ما بعد الحداثة: ترجمة محمد شيا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2005م).

8- بلقزيز، عبد الإله، من النهضة إلى الحداثة (بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، 2009م)، ص11-12

9- محمد مسعد، زياد، الحداثة، موقع اللغة العربية، تاريخ الدخول 16/10/2016م، على هذا الرابط

10- المرجع السابق

11- قطب، محمد مغالطات (القاهرة: دار الشروق، ، ط1، 2006م)، ص82.

12- شفيق، منير، في الحداثة والخطاب الحداثي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 1999م)، ص 11.

13- عمارة، محمد، الإسلام والتحديات المعاصرة (القاهرة: نهضة مصر للنشر،ط1، 2010م)، ص85 .

14- المسيري، عبد الوهاب، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر (القاهرة:دار الشروق،ط2، 2005م)، ص 394.

15- فضل الله، محمد حسين، «صراع بين المستكبرين والمستضعفين»، المنطلق الجديد، العدد الخامس(2002م)، ص13.

16- عبد الرحمن، طه، روح الحداثة (الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، ط2، 2009م)، ص 18 وما بعدها.

17- شلبي، السيد أمين، الغرب في كتابات المفكرين المصريين (القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب،2003م)، ص 97 .

18- وهبة، مراد، «الحداثة برؤية علمانية»، مرجع سابق، ص52.

19- عصفور، جابر، هوامش على دفتر التنوير (الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي،ط1،1994م)، ص95-96 .

20- المرجع السابق، ص68-69.

21- شعلان، عبد الوهاب، «خطاب الحداثة في الفكر العربي المعاصر»، المستقبل العربي، السنة السادسة والعشرون، العدد 300 (فبراير 2004م)، ص48 وما بعدها.

22- الجابري، محمد عابد، التراث والحداثة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، 199م)، ص16.

23- غليون، برهان، اغتيال العقل (القاهرة: مكتبة مدبولي، ط3، 1990م)، ص296.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد