شاء القدر ربما أن تبدأ المنطقة العربية انقلاباتها من مصر، فبانقلاب البكباشي جمال عبدالناصر ورفاقه على الملكية المصرية في يوليو 1952، كانت تلك هي نقطة الصفر التي تبعتها سلسلة من الانقلابات في كافة البلدان العربية، ربما لم تنج منها سوى المملكة المغربية.

جمال عبدالناصر الذي استولى وانقض على المملكة المصرية (مصر_السودان_غزة تحت الإدارة المصرية).

وبعد أشهر قليلة من انقضاضه، وباستفتاء تقرير المصير، تنفصل السودان عن مصر، عقب ما تعرض له محمد نجيب من إهانات بالغة من قبل ناصر ورفاقه وصلت إلى سجنه، حيث كان السودانيون ينظرون إلى نجيب باحترام كبير، وانفصال السودان جزء لا يتجزأ عن عزل محمد نجيب.

مدهش لمن يفكر بمنطق كيف كان لناصر أن يبدأ في مشروع الوحدة مع سوريا، بل وسعى لضم  ليبيا والعراق إلى نفس المشروع، وهو الذي ضحى بأرض السودان قبل أعوام ليست بالكثيرة.

عبدالناصر الذي ترك سوريا مشاعا بين السراج وعبدالحكيم عامر صديقه، يمرحان فيها كما يشاءان، لتصبح سجنا كبيرا لسكانها، لتبدأ رحلة الانفصال عن الوحدة التي لم تبن على أسس منطقية وصحيحة بل بناء على عنجهية سياسية، وزعما لزعامة مصدرها الوهم وإعلام العهر.

عبدالناصر شأنه شأن أي ديكتاتور تعامل مع الإعلام وكأنه دبابة عسكرية يوجهها كيفما يشاء.

لم يكن هناك نص فيلم واحد يمكن أن يعرض في السينما إلا بموافقة مكتوبة من جمال عبدالناصر ذاته.

عقب انقلاب يوليو تم تقسيم مصر بالمشاع بين ناصر وصديق عمره عبدالحكيم عامر.

صداقه ناصر لعامر كانت هي وحدها رحلة مروره من رتبة بكباشي إلى رتبة مشير.

فباستثناء عبدالحكيم عامر وعبدالفتاح السيسي، نجد أن شرط الحصول على رتبة مشير هو الانتصار في حرب.

فالأول خسر كل حروبه، والثاني لم يخض أصلا حروبا.

بدأ الديكتاتور عبدالناصر رحلة حكمه باعتقال كل من يختلف معه.

الوفديين

الإخوان

الشيوعيين

حتى القوميين أنصاره تم اعتقالهم.

لم يترك أحدا يفكر إلا واعتقله، لا قلب عنده ولا رحمة.

هتك رجاله أعراض الشباب، واغتصبوا الفتيات، وأمموا كل شيء في البلد.

في عهد ناصر سقط الاقتصاد، وتفتتت المملكة، وترك مصر وهي مفتقدة لسيناء ذاتها.

أجهض مصر في حروب خارجية لا طائل منها، أبرزها حرب اليمن التي فقد فيها الجيش المصري نصف قوته.

لم يكتف ناصر بممارسة قمعه على المختلفين معه سياسيا أو خصومه المباشرين، بل امتد قمعه لكل من سولت له نفسه أن يفكر في مصر أفضل من مصر ناصر.

كان ناصر يكافئ عبدالحكيم عامر على كل خسارة يخسرها، من حرب 48 إلى 56 إلى 67.

قتل العمال والطلاب ووأد كل حراك سياسي محتمل.

كان أستاذا في صناعة الاستبداد وتطويره فقتل أمة عظيمة.

أنهك المواطن في الفقر بمشاريع ظاهرها لصالح الفقراء.

وفي عهده بدأ التعليم في أولى مراحل انهياره.

وبدأ الجنيه المصري في السقوط.

مارس قمعه المجاني ضد الطلاب والعمال وكل من يختلف مع سياساته وإن لم يكن حتى خصما.

ظاهرة زوار الفجر بدأت في عهده.

عبدالناصر غير هوية المجتمع المصري أو وضع أولى لبنات تغيير تلك الهوية.

ولا يوجد أسوأ من أنه أسس لكل الديكتاتوريات العربية.

فصدام في العراق، والأسد في سوريا، والقذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، وغيرهم.

أطاح بحلم تحرير فلسطين، وفرط في أرض مصر، وأصبح الاقتصاد هشا في عهده، والصحة في مستوي متدن، والتعليم في رحلة الانهيار، وبدأ الفساد رحلة منهجية.

أمم الأحزاب وأمم الديمقراطية التي اعتبرها أكثر عداء له من إسرائيل ذاتها.

علينا ونحن نحاول اليوم هدم أسطورة جديدة من أساطير الاستبداد، علينا ألا ننسى أن عبدالناصر هو الأب الشرعي لكل تلك الديكتاتوريات، ليس فقط في مصر، بل في كل البلد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد