الخوف من الخوف ذاته 

«وزاد من كآبتهم أنهم كانوا يخشون وجوده بينهم، وزاد خوفهم أكثر بغيابه»

====

كلما مرّ علينا في المقهى أحد نعرفه من الحي، إلاّ وكان الترحيب الشديد به، فتلك عادتنا في الحي عمومًا منذ قديم، أن نرحّب ببعضنا البعض، فالود والدفء متأصل بين الجميع ونعرف بعضنا بعضًا كابرًا عن كابر. وهكذا سارت بنا الأيام والسنين تتبدل وتتغير ونحن لا نميل لغريب أو وافد، لكن نستضيفه بوجل ونرحّب به بطابع كرم وبداخلنا نفور منه ورغبة مقيمة في رحيله بسرعة.

أحدهم تعرّفت عليه منذ فترة وإن كان تعارفًا سطحيًا، أي لم يتعدَّ السلام، ومجاورتي في المقهى كلما ذهبت إليه.

كان قليل الكلام، لا أذكر ملامحه جيدًا برغم تردده شبه اليومي تقريبًا على المقهى الصغير وجلوسه في نفس المكان ولمدة زمنية محددة، إذ كان يختفي دائمًا وراء نظارة سوداء كبيرة، يجلس واضعًا ساقًا على ساق، وقد بّرر ذلك بصعوبة الجلوس بصورة طبيعية لعلّة بساقيه، وهو تفسير لم يطلبه أحد من روّاد المقهى، لكنه استشعر تأففهم حيال جلوسه بشكل معين وبصورة دائمة.

يلتحف الصمت ويجلس عاقدًا يديه بصورة متقاطعة على ركبته، ودائمًا كان ينظر إلى لا شيء أو إلى حيث لا نرى، و لا يستجيب لمناوشات الزبائن أو صراعات الروّاد حول مباراة كرة قدم أو حدث سياسي قائم. بل لا يتحدث مع أحد إلاّ نادرًا.

طلبه الدائم فنجالًا من القهوة السوداء الخالية من السكر، يظل أمامه دون أن تمتد إليه يده حتى يغادرنا بعد أن يدفع حسابه وبسخاء بالغ للنادل.

وقد لاحظت وغيري أن علامات امتعاض «ترتسم على وجهه وتقترب من الاشمئزاز» تصاحبه دائمًا مع جلسته ولا تفارقه حتى يفارق الجماعة في المقهى، ولأنه وافد على المكان فلم يتطوع أن يسأله أحد من أين يأتي أو إلى أين يمضي، أو ما عمله! تساؤلات كثيرة أهملها الناس، ومع تجاهله كانت العيون تشخص إليه باستمرار سواء من روّاد المقهى أو من المارّة، فأضحت لغة العيون قائمة بيننا نتجادل بشأنه صامتين، ربما رغبة في تجنّبه، فغموضه وصمته الدائم ألقى في روع الجميع أن وراءه أمر ما، وهو شيء رأوه على العموم غير حميد، فآثروا جميعًا الصبر على وجوده حتى يختفي.

وقد اختفى، بمعنى أنه لم يأتِ يومًا ما، ثم أعقب ذلك غيابه أيام عديدة متتالية، فزاد من قلق الجميع برغم عدم انتمائه للمكان وعدم تقبلّهم له فترة طويلة.

إلاّ أن غرابة وجودة أضحت شيئا مألوفا وكأن الألفة معه كانت التعوّد على وجوده الاستثنائي، فتناوشتهم الهواجس وأطاحت بهم الظنون، وتباينت ردود الأفعال والتفسيرات ما بين مؤكد أنه كان مخبرًا للأمن يتنصت لأحاديث الروّاد، بينما أكد بعض العارفين في الحيّ، أن صمته كان لتدوين ملاحظات أو تقارير في عقله عما يحدث من مناقشات ومناوشات بيننا وغيرها، لكن على نقيض آخر نفى آخرون هذه الفرضية وحسب زعمي كان نفيهم لخوف تولّد بأعماقهم خشية تحقق فرضية كونه مخبرًا.

بينما جزم آخرون بمرضه أو ربما وافته المنيّة أو ربما حادثة أصيب بها، وزاد اللغط كثيرًا حوله، وتعاظمت المخاوف بشأن غيابه ليس قلقًا عليه، قدر الخوف مما وراء غيابه من شر قد يطولهم، وزاد من كآبتهم أنهم كانوا يخشون وجوده بينهم، وزاد خوفهم أكثر بغيابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد