يحدث أن أغامر أو أقامر وأرمي بأوراق كتاباتي كـرِهان. ما رأيكم لو نبتعد عن جمود الكلام المنمق؟سأحدثكم بأبسط مفرداتي، هذا أنا عندما أبدأ بسرد الحكاية، أتوق إلى أبجدية جديدة إلى الاعتراف الحر، فيه أمارس متعة البوح العلني، من الرشفة الأولى لقهوتي تبدأ مخيلتي بالسفر، تتكثف مفهوم الكلمات وتتعطر قافية الشعر، أتلذذ بتذوق عصارة أفكار من حكموا، من سادوا ثم بادوا، أقرأ التاريخ لأنني أعشق حُنُوّ الحرف على الحرف، وبوح الكلمة للكلمة، وتعرّيها في لحظة تَجَلٍّ، ستدركها إذا أيقنت أن خلف كل شيء في الوجود يوجد معنى مختبئ، هي رسالة تظل تلح على الناظر بعينيه أن يقرأها، أن يفهمها. ســأبدأ بطرح سؤال ظل يراود مخيلتي، ولعله أعقد سؤال والأجمل إذا ما تريثت في الإجابة عليه، لماذا يحدث كل هذا الكم من الحروب والدمار والظلم والنهب والبغض وقسوة الإنسان على أخيه الإنسان؟

منذ قرون مضت كانت التشكيلات الهوبليت اليونانية، والتي عرفناها من الإسبرطيين تؤكد ضراوة القتال في الصفوف الأمامية؛ لأن 16 مقاتلًا مدججًا بالسلاح أو ما يقارب ذلك كانوا يندفعون نحو الصفوف الأمامية من الخلف. وكان الأسلوب الروماني يتميز بوجود محارب يحمل رمحين في ظهر المحاربين أمامه، أما هو فهناك رمح موجه إلى ظهره ممن يمشي خلفه. مما يعني أنه لا مفر من الانتصار والتقدم لا تراجع، لقد استخدم الخوف كمحرك وكان فعالًا. كان الناس يتحركون من خلال الخوف لإنقاذ حياتهم أو أموالهم أو شرفهم، لقد تم دفعهم لفعل أشياء لولا الخوف لما فعلوها.

في بلادي الخوف هو المسئول الأول عن حالة التيه وعدم الاستقرار طوال 25 عامًا، الخوف المتبادل هو من جعلنا لا نثق بعض ببعض.

خوف القبيلة «س» من أن تستولي «ص» على مقاليد الحكم، وخوف أصحاب التجارة من عودة حكومة قوية تفرض عليهم الضرائب، وتقلل من أرباحهم الخرافية، وخوف زعماء القبائل من عودة حكومة فربما بعودتها تفقد سطوتها. خوف الشعب من الحروب أجبرهم على الهجرة وأجبر من هاجروا على ألا يعودوا. الخوف كان دافع بعضهم لأن ينهب جاره، الخوف دفع الشعب لنهب مخازن أسلحة الدولة كلها الثقيلة منها قبل الخفيفة. الخوف كان خلف سكوت البعض وعن عدم الصدع بالحق وعن عدم رفع الظلم عن المظلومين، الخوف كان خلف كل شيء. منذ فترة ليست ببعيدة لم أكن أؤمن بأن الخوف لديه كل هذه القدرة على تحريك البشر، ولكنني ما إن أمعنت في كل شيء حتى وجدت أن الخوف هو السبب الرئيسي بعد الله – سبحانه وتعالى- في جعل البشر يتحركون نحو الهدف، وتأثيره أقوى من تأثير التحفيز في بعض الأحيان.

يقال في الإدارة الحديثة، استخدم الخوف محركًا لأنه من السهل تطبيقه، والرمح الموجه إلى الظهر في هذا العصر هو الضغط المادي، وفرض المهام، وتهديدات الوقت الإضافي، إقحام منافسين في العمل، والتلويح بخطة الاستغناء، وفرض نطاق معين من الحرية في القيام بالعمل ومسؤولياتك وأولوياتك في الحياة تجعلك تخضع لكل تلك الأشياء.

للدكتور سمايلي بلانتن حينما سئل عن رأيه في الخوف، قال: الخوف هو أقدم الأمراض وأكثرها تدميرًا للإنسان فـأغلب أمراض هذا العصر ناتجة عنه نفسية كانت أم جسدية.

روزفلت فرانكلين ديلانو «1882/1945» الرئيس الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية الذي انتخب أربع مرات، استمرت لمدة 12 عامًا.

كان رئيسًا في فترة قمة الكساد العظيم، وفي أول خطبة له بعد تنصيبه، دعا إلى الإيمان بمستقبل أمريكا، وأعلن بوضوح أن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه، وقد بدأت حقبة جديدة في التاريخ الأمريكي تحت قيادته.

أي شعب خائف سيظل يدور حول نفسه ويؤدي دورانه إلى حفر فجوة تبتلعه بكل تاريخه، وبالتالي يسقط من سلسلة التاريخ وتُطوى صفحته ويكلف الآخرين سد الثغرة التي خلقها بجموده وخوفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد