الخوف هو رد الفعل الأساسي الذي يجعل الفرد يتعامل مع الخطر، أي أنه يجعل الجسم مستعدًا للتصرف لحماية النفس وقت المخاطر، فحب البقاء والحرص على الذات ومحبتها غريزة إنسانية، لكن عندما يكون رد الفعل الخوفي أكبر مما يتحمله الإنسان أو الموقف، خاصة مع استمرار مسببات الخوف لفترة زمنية، يؤدي ذلك للقلق النفسي، ومنه للمرض الجسدي. إن مخاوف كثيرة  تُغرس في نفوسنا منذ نعومة أظافرنا؛ الخوف من الأب والأم بدلًا من الشعور بالحماية، الخوف من الوقوع في الخطأ عوضًا عن حب التجربة والخوض فيها وتحمل عواقبها، الخوف من القدير بدلًا من معرفته ومحبته، الخوف من قول الحق خشية التصادم المحتمل مع شتى الأنظمة الحاكمة لحياتنا، الخوف من المستقبل بدلًا من التخطيط والعمل له، الخوف من الموت والفقد. الخوف يلف كياننا ويحيط بنا في كل مراحل أعمارنا كشرنقة تعوق وتثبط حركتنا دون رحمة أو راحة مؤقتة.

الإنسان الخائف لا يستطيع ممارسة حياته بشكل طبيعي، إنه إنسان محصور في قوالب محددة توجهه معها بدون رغبة منه أو إرادة حقيقية، فقراراته كلها تحت تأثير من التفكير اللاعقلاني، والاضطراب، ليجد نفسه يسلك مسالك حياتية غريبة عن طبيعته التي قد تكون تغيرت مع الزمن، حتى إن بعضنا قد تتوه منه ملامحه الحقيقية ويتحول لشخص آخر لا يعرفه، لكنه أصبح لا يعلم غيره! ولا يستطيع العيش من غيره بكل تعقيداته الجديدة والقديمة معًا.

هنا في اعتقادي تكمن مشكلة أكبر من الخوف باعتباره رد فعل للتعامل مع الخطر، سنصبح إزاء نفس مختلفة عنا تملؤها تعقيدات كثيرة، ومحاطين بشخوص مغيبين عن حقيقتهم تحت ركام من المخاوف. قد يضرب البعض عن الزواج خوفًا من الخيانة، أو يحيط الفرد نفسه بمن هم أقل منه علمًا خوفًا من الوصم بالجهل، أو أن يصبح بغيضًا في تعاملاته مع من حوله خشية الهجر أو موت من يحب؛ والأمثلة كثيرة. الخائف شخص سهل قيادته أيا كان ما أو من يقوده، لأن عقله توقف عن التفكير وسلم نفسه لقيد الخوف يسحبه إلى أي جهة يريدها، لذلك نجد أن سياسة القطيع تستشري في الجماعات الخائفة، بل إنهم أكثر الناس خوفًا وهلعًا من مناقشة الأفكار الجديدة أيًا كانت، فلا يشعرون بالأمان إلا في المكان الذي تقبع فيه أفكارهم، ولا يوجد عندهم استعداد لمناقشة شيء آخر غير الذي يعرفونه. لكن كلما ازددنا ثقة وطمأنينة نتقبل الأشياء المختلفة عنا بترحاب أكبر.

إن الخوف منبع أخلاق النفاق والحقد والكراهية والغدر والشماتة، إنه رذيلة تحاربها الفلسفة باعتبارها مهمة أخلاقية أولى لتحرير الإنسان، وصدق من قال «وحده الخوف ما يجب أن نخاف منه» لذا ليس الحل في الهرب من مواجهة مخاوفنا، فذلك سيزيد ذلك من تكبيلنا لأنفسنا والاغتراب عن حقيقتنا، وستظل تلاحقنا حتى النهاية أو الوقوع فيما كنا نحذره! علينا مجابة مخاوفنا واحدة تلو الأخرى بإعمال عقولنا بخطوات شجاعة هادئة، مهما تكلف ذلك من زمن، أو على أقل تقدير، علينا فهم أنفسنا وتفاعلاتنا مع ما يحيط بنا من أمور. فالخوف يجعل أجسادنا متخشبة متصلبة لتجرفنا المياه إلى أعماقها نتخبط فيها، ولن ننساب بخفة على سطح المياه غير بتحرير عقولنا المغلفة بالخوف لنترك أنفسنا تنساب بسهولة في المياه مهما كان عمقها. «الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة». كما قال الكاتب الكبير الراحل نجيب محفوظ، ليلخص لنا بقولته الحكيمة أثر الخوف الذي يصيب حياتنا، ليعطلنا عن السير في الحياة بتناغم ومتعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد