تجرى هذه الأيام انتخابات الاتحادات الطلابية بكليات وجامعات مصر، وهي الانتخابات الرابعة بعد 25 يناير (كانون الثاني) والثالثة بعد 30 يونيو (حزيران) والثانية بعد إقرار مجلس النواب للائحة الطلابية الجديدة وتعديلاتها.

تقام هذه الانتخابات وسط حالة طلابية داخل الجامعات لا تسر الكثيرين من المهتمين والعاملين بالعمل الطلابي، خاصة أولئك المهتمين بالحقوق الطلابية، والذين نشطوا في مناخ ما بعد 25 يناير.

وفي هذا المناخ فإننا يمكن أن نرى رؤيتين متباينتين حول التعامل مع هذا الاستحقاق الانتخابي الطلابي.

الانسحاب إلى حين

ينطلق أبناء هذا الطرح من اليأس الذي أفضى إليه العمل العام في السنوات الأخيرة، وهي أزمة لا تخص العمل السياسي بذاته، بل تخص ضيق السلطة بمستوياتها المختلفة بأفكار مثل التمثيل والحقوق والاحتكام إلى قواعد محايدة واضحة، من غير العسير ملاحظة ضيق السلطة بالديمقراطية ومضمونها من تمثيل مصالح الأفراد والدفاع عن حقوقهم في ظل قواعد واضحة يحترمها الجميع ويحتكم إليها الجميع.

أبناء هذا الطرح يرون أن الظرف غير موات لعمل طلابي يحقق نجاحًا ملحوظًا، وأن سلبيات الاشتراك أكثر من إيجابياته، وأن الواقع خارج أسوار الجامعة ألقى بكامل ظلاله على الداخل، وأنه لا مساحة للعب دور حقوقي في مجال التعليم، وأن السلطة لن تتفهم الفارق بين الحركات الطلابية والسياسة إن فصلوا هم بينهما.

يمكن القول إن الموجه الأمنية أحد الأسباب الرئيسة في هذا الخيار، كما يمكن أن نضع في هذا السياق وضع نائب رئيس اتحاد طلاب مصر الأخير، ونائب رئيس اتحاد طلاب جامعة طنطا – المحبوس احتياطيًا – ورئيس اتحاد طلاب جامعة سوهاج على قوائم الإرهاب، بالإضافة إلى الأمين العام لحركة طلاب مصر القوية.

بكلام آخر فإن تكلفة مخاطر أداء الدور كما ينبغي أن يؤدى والدفاع الحقيقي عن مصالح وحقوق الطلاب يمكن أن تكون وخيمة إلى أبعد الحدود.

ناهيك عن أن تجربة اتحاد الطلاب الأخير يمكن أن تقول إن اتحاد الطلاب يتحول تدريجيًا إلى سكرتارية ووسيلة تواصل بين الإدارة والطلاب، بدلًا عن أن يكون ممثلًا شرعيًا للطلاب، وذلك في جزء كبير منه يعود إلى فكرة التمثيل والقواعد والحقوق التي سبقت الإشارة إليها، فعند إهدار القواعد الحاكمة وتقييد الصلاحيات، بالإضافة إلى السيطرة على وسائل الإعلام فإن القيادات الطلابية تجد نفسها تقريبًا خالية مما يحفظ لها قوة التوازن عند الحوار مع الإدارات مضطرةً إلى قبول ما ترتضيه وتريده الإدارات حتى وإن كان يخالف الحقوق الطلابية والقواعد القانونية، ويمكن اعتبار زيادة مصاريف المدن الجامعية ومصاريف الكليات العامين الأخيرين دون أي رد فعل من أعراض هذه الحالة.

أبناء هذه الرؤية يرون أن الحركة الطلابية تستمد مساحة الحركة من مناخ موات داخل وخارج الجامعة وأدوات تسمح بتحقيق الأهداف والدفاع عن الرؤى والمصالح والأهداف، وأن هذا الأمر غير موجود بالمرة مما يجعل التجربة غير مجدية إلى حين.

المقاومة بما هو متاح وممكن

على الجانب الآخر تقف مجموعات أخرى ترى بأن الانسحاب التام يؤدي إلى تجريف الوضع وسوءه بأكثر مما هو عليه، وأن بعض الحالات داخل بعض الكليات تسمح ببعض النشاط والمحاولات التي يمكن أن تحدث أثرًا، أو أن المواقع التي كسبتها الحركة الطلابية في عدة جامعات لا ينبغي التنازل عنها بسهولة حتى لا يزداد تدهور الحال الطلابي، وأن وجود أصوات من كتلة الاستقلال في مواجهة عمليات التأميم ليس رفاهية حتى في أحلك الظروف.

أبناء هذه الرؤية يحاولون اقتناص بعض المقاعد وبعض مساحات الحركة بمنطق أن الانتخابات ستجرى وأن التواجد ضمن الهياكل التنظيمية لاتحاد الطلاب، بالرغم من كل شيء يمكن أن يحفظ بعض الحقوق من التجريف، وأن تمثيلًا منحازًا للطلاب في سياق وصلاحيات متهالكة أفضل من تمثيل غير منحاز لهم في ظل نفس السياق والصلاحيات.

فكرة المشاركة مهما كان السياق ليس فكرة حديثة، هي متواجدة في الاستحقاقات الانتخابية خارج الجامعات، وجوهرها أن سعي السلطة للطابع الشكلي للديمقراطية يمكن أن يلزمها ببعض الحقوق العامة من خلال الممثلين الرسميين داخل الهياكل الديمقراطية، بكلام آخر أن الديمقراطية الشكلية يمكن أن تحقق بعض النجاح في المضمون.

أنصار هذا الطرح يرون أن هناك جدوى مستمرة من الاشتراك في الانتخابات الطلابية منها أن ضمان تمثيل حقيقي لمصالح الطلاب يمكن أن يضمن نوعًا من التوازن أو على الأقل مساحة حركة قانونية ورسمية لحماية جودة ومجانية التعليم وحقوق المتعلمين، أو على الأقل أن يكون هناك صوت آخر بصرف النظر عن مستواه وعن درجة سماعه.

باختصار هناك طرف يرى بأن السياق العام لا يسمح بتقديم أو إضافة شيء، وطرف آخر يرى أن استمرارية المشاركة هي نوع من الرد على السياق للحد من توحشه.

لا يحاول المقال الانحياز إلى إحدى الرؤيتين، لكن ينبغي أن تطرح تساؤلات حول الجدوى على المستوى العام وعلى مستوى كل حالة إن كانت هناك حالات تختلف نسبيًا عن الوضع العام.

أحد أهم النقاط السلبية في انتخابات هذا العام هو غياب التنظيم والرقابة؛ فبعد أن حظرت حركات طلابية وجمدت حركات أخرى أنشطتها، وبعدما طال منظمات المجتمع المدني الحقوقية أصبحت الانتخابات الطلابية تجرى دون أن يشعر بها أحد بلا متابعة، وبلا رقابة من أجل ضمان جديتها.

أسوأ ما يمكن أن يحدث هو تفريغ فكرة الاتحادات الطلابية من مضمونها كنقابة عامة للطلاب إلى مجرد أسرة أو سكرتارية أو حلقة اتصال أو نشاط أو وجاهة اجتماعية أو غير ذلك مما يمكن أن يترسخ إذا استمر تجريف العمل الطلابي.

في الختام: تحية إلى من تغلب منهم اليأس وأقعدهم مع القاعدين، وتحية لمن تحلو بالأمل وخاضوا الانتخابات طالما أنهم يخوضونها بقيم ومبادئ ثابتة وواضحة وبوسائل مشروعة وبغايات نبيلة، وتحية لمن أرادوا خوض المعركة ومنعوا باستبعاد أسمائهم من الكشوف النهائية، وتحية إلى طلاب ناضلوا داخل الجامعة بوسائل مشروعة قانونية ودفعوا ثمن تمثيلهم للطلاب والدفاع عن حقوقهم من خلال منابر الاتحاد.

وكل عام والجامعات كما تحبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد