بدعم من فرنسا استطاعت إيران اختراق الثورة الجزائرية في التسعينيات، فتحاملت الأنظمة العربية بما في ذلك سوريا والسعودية لإنقاذ النظام من “الإرهاب الأعمى”, وكان عدده لا يتجاوز المئات, ليقتلوا نصف مليون جزائري مسلم, ويجهضوا حلمه في الاستقلال الحقيقي عن فرنسا وأولادها, ثم صفوا بعض عملائهم و أدخلوا الباقي السجون, ليكونوا أول من يخرجون في “المصالحة الوطنية”. وبقي النظام نفسه وأعطى امتيازات كبيرة لإيران واستخبارات الأسد العلوية التي دربت أعوان النظام الجزائري على التعذيب والاستنطاق وتقنيات الهدم النفسي. وها هو اليوم يرد لهم الجميل لإجهاض ثورة الشعب السوري.

ثم احتوت إيران القاعدة بعد 2001, وزرعت في رحمها تنظيم الدولة, ثم حافظت على حصرية “الماركة الجديدة”, فزرعت بعض بذورها في العراق, وجاء الحلف الصليبي الشرقي والغربي يتخللهما المشروع الصفوي الإيراني والدعم الخليجي, ليقتلوا 2 مليون عراقي سني وصفُّوا أغلب المجاهدين وهجروا الباقي, وكهدية! سُلمت لهم بغداد, وازدادت خبرتهم في توظيف “الماركة الجديدة”, ليدخلوا ثورة الشام تحت غطاء “النصرة”, فجاء الحلف الصليبي بكتلتيه الشرقية والغربية بحضور صاحب الماركة إيران وأذرعها, فقتلوا مليون سوري سني, و12 مليون بين مهجر وجريح ومفقود لحد الآن, واسُتهدف مجاهدو الشام, وشارك في التصفية تنظيم الدولة, و تم الغزو الروسي, ولا يزال بضعة آلاف من تنظيم الدولة يذاع أن لهم تقدما وصولات وجولات, ويزداد مع ذلك الحشد الدولي ليسقط المزيد وبكثافة من قتلى ومهجرين جدد من أهل الشام.

 

أسئلة لا تطرحها وسائل الإعلام

والآن ماذا سيحدث في سوريا بعد قرار دخول بري سعودي؟ هل ستكرر التجربة اليمنية ومن قبلها التجربة الجزائرية؟ وما جدوى أن يدخلوا سوريا قبل أن يحسموا اليمن؟

ولماذا لا يسمع للمجاهدين الشاميين أنهم يكفونهم إذا أمدوهم بالمال والسلاح, وهو أقل كلفة من دخول الجيش السعودي ومن معه؟

فالسعودية مولت النظام الجزائري لتحييد الجبهة الإسلامية للإنقاذ -جناحها المسلح الجيش الإسلامي للإنقاذ- وأعطت النظام الفرصة لتجديد نفسه بتوظيف “الجماعة الإسلامية”.

ودخلت اليمن بعاصفة الحزم لاستعادة الشرعية, فكانت النتيجة تحييد الإصلاح اليمني -إخوان- التنظيم القادر على المواجهة وإدارة الأزمة إلى حد ما، وترقية الحوثيين لدرجة الطرف المفاوض على عدن والمسيطر على صنعاء.

 

حقيقة اللعبة

ما أراه أن النظام الدولي قاطبا وبكتلتيه “القوى البحرية” بقيادة أمريكا و”القوى البرية” بقيادة روسيا، رأى أن الثورة الشامية بدأت تخرج عن السيطرة, فلا “أصحاب الماركة الداعشية” -وأنا هنا أفرق بين الأفراد والنظام الداعشي- ولا أصحاب “الماركة القطرية” وعلى رأسهم النظام السعودي، استطاعا إلجام الثورة الشامية. والرهان الآن يكمن في تقدم “الساحر” السني ليقاتل التنظيم, لكن في الطريق سيتم تحييد كل المجاهدين الصادقين. وتكون مرحلتان, مرحلة استقطاب, ثم إخضاع الثورة الشامية والتفاوض باسمها, لفرض واقع يتماشى ورغبات النظام الدولي.

حينها تلجم إيران “الماركة الداعشية” أو تنقلها إلى ليبيا في المغرب العربي. كما ألجمتها في العراق من قبل في مطلع الألفية الثانية. ويتجه الجميع نحو مرحلة تقسيم الغنائم بما يسمى مرحلة الإعمار.

 

الدور التركي

الأتراك يتابعون التحرك السعودي بحذر شديد, فإعلان داوود أوغلو أن التحالف الإسلامي سياسي, في نفس الوقت الذي أعلن فيه وزير الدفاع السعودي أنه عسكري, معناه تقدموا ونحن وراءكم.

لكن المشكلة الكردية المدعومة من روسيا وأمريكا ستجعل الأتراك يشترطون في العملية البرية أن يكون تصفية التهديد الكردي من أولوياتها, وقد يكون هذا الأمر مقوضا للحلف كله, فالسعودية لن تجرؤ على الخروج من العباءة الأمريكية ومواجهة الشريك الروسي.

ومن هنا أكاد أجزم أن الخاسر الوحيد من تدخل السعودية بريا في سوريا هي تركيا, فالدخول بحلف معقد القوانين والاتفاقات سيخسر أنقرة الكثير من الوقت لاتخاذ التدابير السريعة, خاصة وأن الحرب على أبوابها, بل وفي أرضها، والحل الوحيد المجدي عسكريا وإستراتيجيا, هو إنشاء غرفة عمليات على التراب التركي وبقيادة تركية ومشاركة سعودية وغيرها. وليوجه المجهود الحربي المزعوم توظيفه في الشام للفصائل المجاهدة, فهم وعلى تنوعهم الأقدر على التعامل مع جميع الأطراف المتناقضة –ظاهريا- في الساحة السورية, بقيادة خلفية لتركيا.

أو ترك أهل الشام لحالهم, وسيجدون حلولا رغم التضحيات الجسام, فالدور السعودي الذي تحكمه عقيدة قطرية, وولاء أمريكي, وعداء لكل ما هو إسلام سياسي خارج النمط السعودي, كل ذلك يجعل السماح بدورهم في الشام بريا خطرا جدا, كما كان دور الداعمين الخليجيين في الثورة الشامية قذرا جدا.

 

علمتنا التجارب

علمتنا التجارب أنه كلما أرادت الأمة الانعتاق, تجسد الحلف الرباعي اللعين بين أمريكا وروسيا كقوتين عظيمتين, وإيران والنظم العربية الوظيفية, كمشروعين إقليمين حاقدين على الجهاد وأهله. تكون النتيجة أن الأمة تجاهد وتقدم التضحيات الجسام, ثم يأتي غيرهم يقطف الثمرة ويعيد بعث الاستبداد والاستعباد.

لكنهم تحالفوا هذه المرة لتحقيق هدف أعظم من المعلن, إنه تطويق, ثم هدم آخر قلاع الإسلام ودار المستضعفين “تركيا”, ثم ترجع السعودية سالمة محمية يالقواعد العسكرية الدولية, وترجع إيران غانمة بمشروعها النووي ووشاح الشرطة الإقليمية, وتبقى تركيا تصلى لظى التقسيم.

 

الشام عقر دار المؤمنين

لا حل لأمة الإسلام ولا لتركيا, إلا تقوية جند الشام, -ومهما كلف من ثمن- لأن ضياع الشام يعني ضياع تركيا, وذلك أفدح كلفة وأنذر شؤما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشام, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد