في بداية زواجي لم أكترث كثيرًا بفكرة الإنجاب من الأساس، فضلًا عن أن أهتم هل سيكون مولودي الأول ذكرًا أم أنثى.

على العكس تمامًا كانت زوجتي متهمة جدًّا بالإنجاب، وتراودها دائمًا فكرة أن يكون مولودنا الأول ذكرًا خشية منها أن أحزن إن كان المولود أنثى؛ لكوني صعيديًّا وما يعرف عن الصعايدة اعتزازهم بالذكور.

وإن كانت زوجتي لم تفصح لي عن تلك المخاوف إلا متأخرًا بعد أن علمت يقينًا أن هذا الأمر لا يعنيني كثيرًا ولم أشغل تفكيري به يومًا.

ظهرت علامات الحمل على زوجتي مع شهور زواجنا الأولى، بدأت تشعر بالألم الذي اضطرنا لأن نذهب إلى المستشفى لتخبرني بعدها أنها حامل في الشهور الأولى. لم تظهر على وجهي أي ملامح الفرحة المعهودة، ابتسمت لزوجتي وقبلت رأسها على هذا الخبر متمنيًا لها أن تمر أيام الحمل عليها بسلام.

في إحدى مرات مراجعة الطبيبة أثناء فترة الحمل أخبرتني زوجتي ويكسو وجهها علامات السعادة أن المولود ظهر في فحص المنظار وكان «ذكرًا».

غمرتني السعادة بالخبر للحظات ولا أعلم حينها أسعدت للبشرى أن المولود ذكر، أم كانت سعادتي لسعادة زوجتي.

مرت أيام الحمل وحانت لحظة الولادة وأنجبت زوجتي ابننا الأول، لا شك أنني كنت سعيدًا حينها بقدوم مولودي الأول واختيار اسمه واقترانه باسمي، واستخراج شهادة الميلاد وما شابه، بالإضافة إلى برقيات التهاني من الأهل والأصدقاء.

مرت الأيام ومولودي يكبر يومًا بعد يوم ولم أشعر بتغيير كبير في حياتي ولا حتى في مشاعري، بل لم أشعر بنمو غريزة الأبوية داخلي.

يكبر يومًا بعد يوم، بدأ في تعلم بعض الأحرف والكلمات ليقول «مما ما ما» وكأنه يؤكد مشاعري.

كنت عندما أحمله مداعبًا له ما هي إلا لحظات لينظر إلي متهجمًا وملامح الحزن تكسو وجهه ليصدر صرخته وكأنه ينادي على أمه.

بدأت أنجذب إلى مولودي وينجذب إلي وتتحرك داخلي مشاعر الأبوة بعد مرور عامه الأول ونصف العام الثاني، بدأ ينجذب إلي وينظر حوله باحثًا عني وأحيانًا يودعني باكيًا عند خروجي من المنزل.

كل ذلك كان على النقيض تمامًا عندما قدوم مولودي الثاني، والتي كانت أنثى، فبمجرد أن بدأت عيناها تتفتح تفتحت معها مشاعر الحب والحنان في قلبي، كلما نظرت حولها باحثة عني كنت أشعر وكأن مشاعر الدفء والحنان تغمرني.

كنت أحملها فتحتضني وكأني أحتضن شخصًا كبيرًا يعلم أن لهذا الحضن أثر الأمان والدفء.

تعلم أن قلب أبيها كان غليظًا قاسيًا فأتت ليذوب في حبها فيرق قلبه ويتعلم معاني الحب من نظرات عيونها.

فالإناث كالذكور هنَّ عطايا ووصايا من الله.

كان محمد ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ يقول: «ﺍﻟﺒﻨﻮﻥ ﻧﻌﻢ، ﻭﺍﻟﺒﻨﺎﺕ ﺣﺴﻨﺎﺕ، ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻳﺤﺎﺳﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻌﻢ، ﻭﻳﺠﺎﺯﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺴﻨﺎﺕ».

قيل في الأثر: «يظَلُّ المرء غليظًا إلى أن ينجب فتاة».

وكان النبي ﷺ في حب ابنته فاطمة رضي الله عنها «فإنما ابنتي بضعة منِّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها».

وإذا بلغ الإمام أحمد بن حنبل أنّ أحد أصحابه رُزِق ببنتًا يقول: «أخبروه أن الأنبياءَ آباءُ بنات».

وعندما خطب ابن معاوية ابنة عامر بن الظرب، فقال له عامر:

«ياصعصعة إنك أتيتني تشتري مني كبدي، وأرحم ولدي عندي، والحسيب كفء، والزوج الصالح أب بعد أب».

نعم إنها خلفة البنات التي قال عنها ﷺ: «من ولي ابنتين فأحسن إليهما كانتا له سترًا من النار».

أحب البنات، فحبُّ البنات فرضٌ على كلّ نفسٍ كريمة.

لأن شعيبًا لأجل الـبنات أخدمه الله موسى كليمه.

فطوبى لمن بُشر بأنثى فأثنى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد