الدافع وراء سلسلة المقالات هذه هو كثرة عدد المؤلفين الآن. سواء حديثي العهد بالكتابة أو النشر لهم. أصبح أمام من يريد أن يقرأ لكاتب عمل جديد أن ينتقي وسط الآلاف من الأعمال المنشورة، أو يطلب مشورة صديق، أو يقرأ عن العمل الأدبي قبل أن يقرأه كاملا.

الآن أنا أقرأ بعض هذه الأعمال، وسأكتب عنها. لست ناقدا محترفا ولكني أزعم أني كذلك كقارئ. وبضاعتي التي أروجها هنا هي الحياد والموضوعية والوقوف جوار الموهبة وعدم المحاباة، سأقرأ بعض الأعمال وأتكلم عنها، وللقارئ الرأي الأخير فيما أكتبه وفي العمل.

في هذا المقال أتكلم عن الجثة الخامسة. أول أعمال د. حسين السيد حسين الذي صدر له ثالث عمل في معرض الكتاب في يناير هذا العام بعنوان الشيخ الأسود ويتوسطهما عهود الدم كعمل ثالث للكاتب.

أدب الرعب، وهو أدب جديد على الكتّاب باللغة العربية، وعرابه الأشهر والأحب إلى قلوب هواة هذا النوع من الأدب هو د. أحمد خالد توفيق. لا شك أن الكاتب من قرائه. هذا شيء لا يمكن الفكاك منه وتهمة يفخر صاحبها ولو كان أديبا بها.

من هذه النقطة نبدأ هل قرأت هذه الجمل من قبل؟ “رعب قوطي” “يدخن كمرجل بخاري نهم” و”مثانة ممتلئة”. نعم هذه جمل العراب أحمد خالد توفيق ونفس الجمل استخدمها الدكتور حسين في روايته الجثة الخامسة. ولكن د. حسين خرج بعدها تدريجيا من عباءة الدكتور في الألفاظ. فبعد البداية الحافلة بمثل هذه التشبيهات أخذ طريقه بلغته في باقي الرواية.

يحسب للكاتب استخدامه الفصحى في السرد والحوار، وهذا يصعب مهمته ولكن أيضا المدرسة التي تسبقه في أدب الرعب لا أظنها وجدت في العامية تناغما مع الرعب. ولقد تعمل الكاتب مع الفصحى برشاقة تحسب له كأول عمل.

اختار الكاتب حقبة زمنية غريبة بعض الشيء لتدور بها الأحداث -أول السبعينات- وأظنها مجهدة له في المراجعة، فمثلا لفظة أمين شرطة التي استعملها لم يكن متعارف عليها في المجتمع وقتها، إذ إن معهد الامناء افتتح رسميّا في سنة 69 ولا أظن سنة أو سنتين كافية ليظهر في الأحداث.

الكاتب لعب في ملعبه. ملعب يوسف إدريس وأحمد خالد توفيق والأطباء الأدباء. الجثث والمشارح والقبور ودراسة جسد الإنسان ونفسيته. هذا مجال كبير للأدب والكتابة ويتميز به الأطباء الأدباء عن غيرهم. تخيل مهندسا يكتب عن معاناة مريض ربو، ولا يعرف هل هو السل أم الالتهاب الرئوي. وطبعا اختيار الأبطال من أساتذة الطب كشخصية د. محمد شاهين يسهل على الكاتب الطبيب توصيل المعلومات عن خبرته العلمية والعملية.

بدأ إيقاع الرواية هادئا جدا حتى أني لم أنجذب إلى الرواية إلا في الصفحة 236 من 400 صفحة هي كامل الرواية. يظهر طبعا طول فترة الكتابة هنا وتغير مزاج الكاتب من السرد البطيء للأحداث إلى السرعة في بعض الفصول بعدها.

الرواية تتكلم عن جثة تحدث رعبا، ويذكر الكاتب على لسان أبطاله أجزاء من أحداث ما وراء الطبيعة تبين جهدا ملحوظا للكاتب في القراءة والبحث عن مصادر تغذي روايته.

سيحدثك دكتور حسين عن لافكرافت والعزيف ونيكرونوميكونو تيدورو فلاتاس وإينوخ ودانييل دي وكتاب الموتى وأرتيماتسوس وكالاميتاسيس. إنها وجبة دسمة لعشاق أدب الرعب حقّا. مصروف عليها في البحث والمعرفة كما يقولون، حتى الدجل الشعبي والأعمال والشعوذة الرديئة لم يهملها الكاتب، وجعل لها دورًا في محله.

الشخوص مختارون بدقة ووظفهم الكاتب جيدا في محيط قصته، إلا أن بعضهم كانوا ضيوفا غير مهمين في بعض المشاهد وإن قلت. ولا شك أن نصائح من قرأوا له قبل النشر من الأصدقاء كانت مجدية. لأنه عادة في التجارب الأولى وخصوصا التي تطول مدة كتابتها تهرب بعض الشخصيات من عقل الكاتب والحبكة، وهذا ندر حدوثه هنا.

التطويل في نصف الرواية الأول كعيب. قابلته ميزة الصورة السنيمائية التي نجح فيها الكاتب في مشاهد النهاية وخصوصا الفينالة التي أراه تاثر فيها برائعة دان براون دافنشي كود، ولكنه تأثر لا يعيب الحبكة ولا يضعفها. فقد كان سرد الخاتمة مميزا.

والوصف الذي يصفه الكاتب لفيلا الدكتور شاهين كان ممتعا ودقيقا وينبئ بأن الدكتور حسين لديه شيء غير الرعب ليقدمه، المعلومات كانت غزيرة عن جزء ما وراء الطبيعة والمومياء الفرعونية وحتى السفينة تيتانك. فتح الكاتب مجالا كبيرا ليخدم على قصته فأكسبها ثقلا.

كتجربة كتابة في أدب الرعب التجربة قيمة. ولا بد أن تستمر ويراعي بها الكاتب عدم الإطالة في أجزاء، والسرد السريع في أجزاء. وأن يضيف بعض الفكاهة أو التفاصيل الإنسانية في داخل العمل، حتى لا يمل القارئ الذي لم يتعود أدب الرعب الخالي من غيره.

بعض الألغاز لن تضر عقل القارئ بل ستفيده، وبعض الاختصار في الصفحات -ليس على حساب النص- سيفيد جيب القارئ أيضا. لأن الرواية الكبيرة جدا تنهكه ماديا قبل أن يقرأها. طبعا ليس سببا وجيها وحده، لكن دون إطالة أظن يمكن توصيل نفس المضمون بصفحات أقل.

وأخيرا أقول: “لقد ارتعبت حقّا من هذه الجثة الخامسة للحظات، وهذا يدل على أن الكاتب نجح بصرف النظر عن التفاصيل”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, روايات
عرض التعليقات
تحميل المزيد