لا يمكن أن يكون الترشح موضع تساؤل لمجرد مظاهرة في الشارع، قد يكون هذا المنطق صحيحًا وسليمًا في حالات أخرى غير الحالة التي تقف أمامها الجزائر اليوم، فالشعب الجزائري لم يعترض على أي مترشح بالرغم من أن بعض المترشحين، أو أولئك الذين سحبوا استمارات الترشح من وزارة الداخلية، يثيرون الغثيان والسخرية، والاعتراض اليوم على رجل مريض غائب لم يتحدث إلى الشعب الجزائري مدة أكثر من ست سنوات، بالإضافة إلى أنه حكم 20 سنة، منها عهدتان غير شرعيتين بإقدامه على تغيير الدستور من أجل مواصلة الحكم، هذا دون الحديث عما خلفته سنوات حكمه من فساد ورشوة وانحراف عن جادة الطريق، لا يختلف فيها اثنان عاقلان.

وهل كان الأمر يستحق أن يخرج مئات الآلاف من الجزائريين إلى الشارع وآلاف الطلبة، والذين تظاهروا في كل أنحاء الجزائر من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها ضد العهدة الخامسة، وضد ترشح بوتفليقة، وقالوا له بصوت واحد: لا نريدك مرة أخرى في الحكم.

ومن جهة أخرى وبقدر ما تثير حركة الشارع الإعجاب بسلميتها وانضباط الجماهير، إلا أن حركة الشارع لا يمكن التنبؤ بها، ولا يمكن رصد تحركاتها، ولا يمكن السيطرة على الشارع إلا بالقمع، والذي سيولد عنفًا مضادًا؛ مما يعيد البلاد إلى مربع بداية التسعينيات من القرن الماضي، وعليه فمن العقل والحكمة أن تأخذ مطالب الجماهير بعين الاعتبار، ولا يمكن الاستمرار في التعنت والسعي إلى المرور بقوة.

حسب أحمد أويحيى، فإن النظام يعرف كيف يسيطر على الشارع، ولعل الرجل يستند في هذا الأمر إلى النجاحات التي حققتها السلطة منذ مجيء بوتفليقة إلى سدة الحكم، فقد عرف كيف يكبح أزمات كبرى مرت بها الجزائر.

ولكن هذا النجاح خلف دائمًا مضاعفات، وترك آثارًا؛ لأن السلطة بقيادة بوتفليقة اعتمدت تكتيكات أقل ما يقال عنها إنها غير أخلاقية في معظمها، فإذا كان التراجع عن المشاريع تلبية لمطالب المواطنين أمرًا محببًا، ويظهر السلطة بالراعية لمطالب من تتولى حكمهم، فإن القمع وشراء قادة الاحتجاج والابتزاز كلها أدوات ووسائل غير شريفة وغير أخلاقية، ولها تبعاتها على انضباط المجتمع وأخلاقه.

وفي حوار مع جريدة لوفيغارو، قال رشيد تلمساني، أستاذ العلاقات الدولية والأمن الإقليمي في جامعة فرنسا: «إن العهدة الخامسة ستكون، وإن بوتفليقة سيفوز، ولكن بنتيجة تصويت أقل من تلك التي حصل عليها سنة 2014، ولكن الوضع السياسي يبدو أنه يتطور بسرعة، ومن الصعب التنبؤ بتحول تعبئة الشعب ضد العهدة الخامسة، ولا أستبعد تأجيل للانتخابات».

وعلى صفحات الجريدة نفسها صرح مقرب من الرئاسة -كما وصفته الجريدة- بأن الوضع ليس في نقطة اللاعودة لمناقشة الخطة (ب) أو وضع خطة أخرى، ثم استطرد قائلًا: «انظروا إلى فرنسا، احتجاجات السترات الصفراء تدخل شهرها الرابع دون أن يذكر أن ماكرون قال إنه سيذهب إلى الخطة (ب)».

واضح جدًا من هذا التصريح ومن الإصرار على الذهاب إلى ترشح بوتفليقة هو أن النظام السياسي سيستخدم استراتيجياته المعهودة، والقائمة على فرض الأمر الواقع، وذلك بالحفاظ على الذهاب إلى سيناريو العهدة الخامسة، وتكون مصحوبة بتدابير تهدئة من خلال ربما تقديم بعض الوعود الخاصة بالإصلاحات العميقة، وتقديم المزيد من التنازلات لصالح الطبقة السياسية المعارضة.

وهذا بالضبط ما قاله الوزير الأول أويحيى أثناء مناقشة بيان السياسة العامة أمام أعضاء المجلس الشعبي الوطني؛ إذ ذكر أن الرئيس تعهد بندوة وطنية جامعة، ووصف هذا الوعد على أن يد الرئيس ممدودة إلى القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون استبعاد أي طرف، والجلوس معًا ومناقشة كل الأمور بكل حرية مع اقتراح إصلاح دستوري.

ولكن كل هذه الوعود لم تعد تنطلي على معظم الجزائريين الذين سئموا الوعود وسئموا معها كل الإصلاحات التي جاء بها بوتفليقة، فقد كانت حبرًا على ورق، والذي تحقق منها خدم أطرافًا في السلطة على حساب المصالح العليا للشعب الجزائري.

أما حكاية تعديل الدستور؛ فيظهر أن هذا الوعد خاصة لا يقدم شيئًا جديدًا، فقد أقدم بوتفليقة على تعديل الدستور ثلاث مرات دون استشارة الشعب الجزائري في ذلك، خاصة منه التعديل الأخير الذي أنتج لنا ما اتفق على تسميته دستور 2016، والذي كان من المفروض أن يستشير المعارضة السياسية في البلاد، ولكنه لم يفعل، فقد اكتفى بتعيين أحمد أويحيى ليجتمع مع بعض أطياف المجتمع السياسي الجزائري دون آخرين، وفي الأخير لم يأخذ برأيهم، فقد كانت تلك المشاورات عبارة عن جلسات صورية لم تنتج شيئًا.

وعليه فالحديث اليوم عن إصلاحات دستورية هو من قبيل الضحك على الأذقان، واستحمار عقول الجزائريين، وهو من قبيل تمييع قيمة الدستور بوصفه قواعد معيارية عليا، والتلاعب بقيمته بوصفه منظمًا للحياة السياسية في البلاد، وفق قواعد المفروض تكون متفق عليها من طرف الجميع دون إقصاء أو تهميش.

يظهر أن خيار الذهاب إلى سيناريو العهدة الخامسة محافظ عليه لحد الساعة، كما يظهر أن القائمين على ترشيح بوتفليقة والفريق الذي معه يسعون إلى مرور بالقوة، ولكن هل سيتم احترام العتبة المسموح بها في مثل هذه الحالات، والتي تعني عدم اختراق الخط الأحمر للتدهور الأمني؟

وإلى أي مدى يمكن لهؤلاء أن يتمادوا؟ ربما يكونون قد حصلوا على ضمانات من الجيش، خاصة وأن الجيش حساس جدًا لقضية السيادة والنظام العام والأمن، وأنه يحتاط جدًا، ويأخذ بعين الاعتبار أي خرق ولو صغير للأمن.

أم أن بوتفليقة والمحيطين به سيدفعون بالجزائر إلى مربع الدم والدموع مرة أخرى؟ وبهذا
سينتقمون وأي انتقام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد