V for Vendetta فيلم خيال علمي أمريكي مقتبس من قصة مصورة للكاتب ألن مور، تدور أحداثه حول رجل يطلق ثورة في بريطانيا بعد أن تحكمها ديكتاتورية بذريعة الحفاظ على النظام عقب حرب نووية.

عند الساعة الثانية عشرة ليلًا، مع بدء يوم 5 نوفمبر، يقوم بطل الفيلم بنسف المبنى المركزي للقضاء البريطاني ليفتتح بذلك مشروعه لقلب النظام الديكتاتوري الظالم في بلاده.

يتخذ البطل لنفسه قناعًا ويطلق على نفسه اسم “في” نسبة للحرف V باللغة الإنكليزية، وهو الحرف الأول من كلمة Vendetta أي ثأر، يصبح بطلًا مع أن الحكومة تعتبره إرهابيًا.

قناع “في” الذي لا يخلعه أبدًا جزء من رمزية الفيلم، فالقناع الباسم يمثل وجه رجل معروف في التاريخ الإنكليزي اسمه غاي فوكس، وهو كاثوليكي تآمر مع جماعة من الكاثوليك البريطانيين لتفجير مجلس اللوردات البريطاني خلال جلسة افتتاح البرلمان، في 5 نوفمبر من سنة 1605، ولكن أمرهم اكتشف فتعرض لتعذيب وحشي وشنق، وقطعت رؤوس المتورطين معه فيما أصبح يعرف بعدها باسم “مؤامرة البارود”.
يتمكن “في” في النهاية من أن يحقق ما لم يتمكن من تحقيقه غاي فوكس نفسه وفق رؤية تغيير فوضوية تقوم على الفرد.
وقبيل التفجير الأخير، تتحقق الرؤية الفوضوية للبطل عندما يخرج آلاف الناس إلى الشوارع ليشاهدوه متحدين حظر التجول، وكل واحد منهم يلبس قناع غاي فوكس.

كل من يشاهد الفيلم يلاحظ تقاطعا بين ما قدم وما يوجد في أغلب الأنظمة الدكتاتورية يمكن تلخيصها في ثمانية محاور كبرى:

1 / الأنظمة الدكتاتورية هي أنظمة أمنية:
يبدأ فيلم V for vendetta بزمن قديم حيث يطلعنا الراوي على حدوث انفجار عظيم في 5 نوفمبر، كان وراءه رجل ثوريّ يدعي فوكس، وينتهي المشهد الأوّل من الفيلم بإعدام فوكس.

هذا لا يعني موت الفكرة التي كان يناضل من أجلها، إذ يبدأ بعدها الزمن الحديث، بحظر تجول تفرضه السلطة لضبط المجتمع، ولكن تخرج الفتاة “إيفي” في الليل ليعترضها ثلاثة أفراد من الشرطة “فينغرمان” لمخالفتها القوانين، ويحاول الثلاثة أن يمارسوا الجنس معها برغبتها وحين ترفض يهدّدونها باعتقالها بتهمة خرق حظر التجول، ثم يظهر الرجل المقنع لإنقاذها.

يعرّفها الرجل بنفسه: أنه مواطن ضحية لهذا النظام، وأنه من أتباع فوكس، بعد أن يقدم رؤية مفادها بأن الأفكار لا تموت. ويقول الرجل المقنع “في” بأنه جاء الآن لينتقم من الذين تسلطوا من أجل القيم التي تحدد انتقام الفضائل وفق قوله، ليطلب من إيفي مرافقته لرؤية حفلة موسيقية خاصة، وحين تبدأ الموسيقى بالعزف يحدث انفجار يهزّ الدولة بكاملها، وهنا نجد أنّ الرئيس ومستشاريه الذين يسمّون أنفسهم “مراقبي إنكلترا” يجتمعون لتحديد السبب.

وما سنلحظه هنا، هو الدكتاتور الذي يخاطب مستشاريه من خلال شاشة، مما يدل على مدى خوف السلطة من كلّ ما حولها، وابتعاد هذه السلطة عن الجميع بمن فيهم المستشارين، وهنا نجد أن هذه الأجهزة ليس لديها سوى الحلول الأمنية الصرفة، ونلاحظ تركيز المستشار على أن هذا الانفجار ليس مهما بحصوله، بقدر ما هو كارثيّ بنتائجه التي ستجعل الشك يتسرب إلى كل مواطن، وهنا يتولى الإعلام الكذب وتحريف رواية ما حصل، ومع ذلك نجد المواطنين لا يصدقون الرواية الرسمية ولكنهم لا يجرؤون على نفيها علنا.

 

2 / إعلام السلطة وسلطة الإعلام:
تتطور الأحداث حين يرسل “في” مجموعة من الأقنعة إلى التلفزيون مكان عمل إيفي، دون أن تفهم السبب، ليقوم بعدها باقتحام التلفزيون، ليقدم رسالة متلفزة إلى الشعب الإنكليزي، رسالة تدحض زيف الشعارات التي يقدمها المستشار، مؤكدا لهم أنه هو من قام بالتفجير، طالبا منهم البحث في جرائم هذا النظام لمعرفة الحقيقة، وقائلا لهم: “إن وجدتم الحقيقة أطلب منكم التجمع أمام البرلمان بعد عام من الآن، وتحديدا في الخامس من السنة القادمة، أي في نفس هذا اليوم، وذلك للمطالبة بإزاحة النظام الفاسد والمستشار الدكتاتور”.

وهنا نلاحظ أنّ “في” تمكن من الهجوم على نقطة القوة الكبرى للنظام وتهشيمها وهي الإعلام، أراد أن يوجه رسالة أنّ هذا الإعلام كاذب، وهذا ما سنلاحظه بعد عودة الإعلام إلى بثّه الطبيعي، حيث سيعمد إلى اتهام “في” باستخدام أسلحة لترويع المدنيين، وتنتهي الرسالة الإعلامية بإعلان موت “الإرهابي” وذلك في رسالة كاذبة، لبثّ الاطمئنان في نفوس بدأ الشك يدب فيها، بقوة النظام وهيبته.

وفي الفيلم يقوم “في” بمهاجمة المذيع الإعلامي الشهير الذي يتولى تقديم الرواية الرسمية للأحداث، حيث سنكتشف أن هذا المذيع كان ضابطا وسجانا، وأنه تولى شخصيا تعذيب في، مما يدلنا على العلاقة الوطيدة بين الإعلام والأمن.

ما نلاحظه في الفيلم أيضا هو قوة الإعلام الذي يركز دائما على وجود عدو خارجي بهدف تخدير الوعي وتنويمه لإعادته إلى الحظيرة ولمواجهة هذا العدو المخترع سلطويا، يتم العمل على تحقيق وحدة البلد عن طريق رفض كل ما هو مختلف حيث يقول المذيع:

علينا أن نعزل المهاجرين والمسلمين والمثليين الجنسيين والإرهابيين، إنها أمراض امتدت على مرّ أجيال، يجب أن يرحلوا. إن القوّة تأتي من الوحدة والوحدة من الإيمان.

 

3 / العنف كوسيلة مقاومة:

بعد انتهاء “في” من مهمته في التلفزيون، تقوم الفتاة بإنقاذه للخروج من المؤسسة وتذهب معه للتعرّف على عالمه، وهناك يدور الحوار بينهما، ليقول لها إنها أقدمت على فعل ما اعتقدت أنّه صواب، مؤكدا لها أنها فعلت ما تعتقده هي لا ما يريدونه هم أن تعتقده.

ويبدأ الجدل بينهما، حول أساليب النضال، جدل يبدأ من أهمية نسف البرلمان، وهنا نفهم في الفيلم أن تفجير البرلمان ليس مهما بذاته، بقدر ما هو مهمّ بدلالته وتحطيم هذه الرمز يعني تحطيم العالم القديم لبدء عالم جديد.
وعندما يقوم بقتل رجل الإعلام الشهير الملقب بـ”صوت لندن” يتمّ نقاش كبير بينهما، ليقول لها إنّ العنف يمكن أن يستخدم لأغراض جيدة.

 

4 / الأنظمة الديكتاتورية من الداخل:

نلاحظ في الفيلم أن الفاسدين يصرون على إخفاء ملفاتهم وحرقها رغم احتوائها على معلومات تفيد النظام نفسه للتوصل إلى حقائقه فما يتعلق بحركة الاحتجاجات ومن يقف وراءها، ولكن مصلحة الفاسدين الشخصية تعلو على مصالح النظام نفسه، مما يزيد من تأزيم الأزمة المتأزمة أصلا، وهذا ما نراه حين يصل التحقيق في مقتل “صوت لندن” إلى نقطة حاسمة تتعلق بفساده وعمله ضمن مؤسسة اعتقال خاصة، كان أحد المعتقلين فيها “في”، لتغيب الحقيقة.

ويعكس الفيلم، تخبط أجهزة النظام في عملها، نتيجة تعارض صلاحياتها وتداخلها، فهي من جهة تريد إيقاف الاحتجاجات ومعرفة الفاعلين، ومن جهة ثانية هذا لا يتم إلا عبر كشف الثغرات في النظام التي يستغلها “في”، وهذا الأمر إن تم، سيؤدي إلى كشف الملفات السوداء لأعضاء النظام، وهكذا نجد أنه يتم محاصرة “كبير المحققين” أو رجل النظام غير الملوّث بالفساد ومنعه من أداء عمله بشكل جيد، لصالح أصحاب الفساد!

5 / إيفي: وعي الشعب ضمن الثورة

يعكس الفيلم تطوّر وعي الشعب خلال الثورة ومجرياتها، ففي البدء نلاحظ التخبط وعدم الفهم، ولكن رويدا رويدا تتضح الحقائق، وهذا ما تعكسه “إيفي” التي تتبلور رؤيتها للأحداث من فعل مشارك ولكنه سلبي إلى فعل مشارك إيجابي، بعد أن تحكي قصتها حيث أن أباها وأمها من الناشطين السياسيين الذين تم اعتقالهم وقتلهم خلال بداية حكم المستشار، حيث كان أبوها كاتبا، ومن مقولاته المفضلة “يقوم الكتاب والفنانون بالكذب لقول الحقيقة، بينما يقوم السياسون بالكذب لإخفاء الحقيقة”، وهنا تقرر إيفي خوض الصراع إلى نهايته بعد أن تكتشف قوتها وذاتها التي سلبها إياها النظام.

وهذا الأمر يعكس جوهر النظام القائم على الإقصاء لكل شيء، حيث إن ضحاياه تصل الأب والابن والحفيد.

 

6 / قناع الخوف ووجه الحرية

تجبر السلطات الشمولية الناس الذين تحكمهم على إخفاء حقائقهم، تبدأ من تغيير نمط الحياة والقيام بأشياء معاكسة لما يحبون من أجل إبعاد الشبهات عنهم، ويلجأ الناس لذلك هربا من بطش سلطة مستبدة، فهم يعرفون الحقيقة ولكنهم يكذبون ويتحدثون بعكسها، وكلما اشتدت معرفة المرء لحقيقة ما يحصل، تزداد عملية تستره وتقنعه لشعوره بأنه يعرف ما لا يتوجب معرفته.

ومن هنا نجد أن الإعلامي غوردون الذي تذهب إليه إيفي للاحتماء، تكتشف أنه يشاطرها نفس الآراء، ولكنه يخفي ذلك خلف قناع منذ سنين عديدة، كما تخفي هي مشاعرها منذ مقتل والديها.

وهكذا يعمل النظام الاستبدادي على جعل الجميع خاضعا له، عبر عملية القناع، حيث يصبح القناع رمزا عن خضوع الناس للسلطة المطلقة والخوف منها، ولكن هذا القناع هو نفسه مصدر حماية يستخدمه الناس لإيهام السلطة وإبعاد أذاها، قناع يخفي مشاعرهم الحقيقة تجاهه، يختفي الناس خلف قناعهم الضاحك والخانع لإخفاء تذمرهم وحقدهم لهكذا نظام، بانتظار اللحظة التي سيخلعون بها أقنعتهم وخوفهم إلى غير رجعة.

 

7 / التهديد بالحرب الأهلية

حين تصل السكين إلى عنق النظام، حيث تثبت التقارير أن ثمانين بالمئة من الشعب لا يثق برواية النظام ويعتقد أن “في” حي وهو وراء الاغتيالات التي تحدث، وذلك رغم رواية النظام المتواترة إعلاميا أنه ميت، نرى أن المستشار يلعب لعبته الأخيرة خاصة مع اقتراب موعد الخامس من نوفمبر وهي التهديد بالحرب الأهلية، حيث يوجه “مراقبو إنكلترا” إلى لعب هذه الورقة لإثبات مدى الحاجة لهذا النظام، وأن رحيله يعني الحرب الأهلية.

وهنا ينشط الإعلام في بث الكثير من الإشاعات عن نقص المياه وحدوث تفجيرات إرهابية مسلحة تستهدف محطات القطار والمنشآت العامة.

 

8 / انتصار الثورة:

ولعل أهم مشهد في الفيلم، هو قيام طفلة في الفيلم بكتابة شعارات على الحيطان ضد المستشار، يقول كبير المحققين في الفيلم أن أحدا ما سيقوم بعمل أخرق سيؤدي إلى اشتعال النار، ويكون هذا العمل هو قيام الجهاز الأمني بقتل مواطن أثناء كتابته بعض الشعارات، ليبدأ الناس بالنزول إلى الشوارع.

قبل نهاية الفيلم يكتشف كبير المحققين أن كل شيء مرتبط ببعضه، وأن الأمر يشبه سلسلة مرتبطة ببعضها البعض، سلسلة من التراكمات أدت إلى ما يحصل الآن، ومن المستحيل عزل ما يحصل الآن عما حصل في الماضي، لأن تراكمات الماضي هي سبب هذا الانفجار الحاصل الآن، وهذا لم تفهمه الأنظمة الدكتاتورية أبدا، لأنها عزلت نفسها عن كل شيء، ولهذا نرى أن حلولها لمعالجة الأزمة في هذه اللحظات تسرع من وتيرتها بدلا من تهدئتها، وذلك لأن نظرتها للأزمة نظرة جزئية / أمنية، بعيدا عن الرؤية الشاملة التي تجعل منها أزمة كلية تطال المجتمع والنظام وكل شيء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد