شكل الماء

عندما تتحول الهواجس الشخصية لإبداع سينمائي فانتازي خالص. خلطة سينمائية مدهشة من الموسيقى والميلودراما والجاسوسية والرومانسية! الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم وأفضل إخراج لعام 2018.

من أستاذ الرؤية السينمائية «جويليرمو ديل تورو» يخرج لنا هذا الفيلم الجديد «شكل الماء»، ليصور على خلفية احتقان أحداث وتوترات الحرب الباردة في عام 1962، إذ تجري الأحداث في مختبر حكومي سري معزول، هناك تعمل الخرساء أليزا (سالي هواكنز)، التي تقبع مسجونة وتعمل عاملة نظافة، وتتغير حياتها للأبد عندما تتعرف بالصدفة وزميلتها زيلدا (أوكتافيا سبنسر) على مخلوق «برمائي» يقبع في بركة ويخضع لتجارب سرية، مع تمثيل مدهش لكل من ميشيل شانون، وريتشارد جينكيس، ودوج جونز، وميشيل ستولبارج، ونيكي سيرسي، ودافيد هووليت، بأدوار كل من الكولونيل ريتشارد ستريكلاند، وجاليز، والوحش البرمائي، والجنرال فرانك هويت، وفليمنغ. والشريط يخلط بتوازن عناصر الدراما والخيال العلمي والفانتازيا مع الرومانسية.

يقول المخرج في مقابلة له عن الفيلم: إنه يعتبر بمثابة شريط شفاء لي؛ إذ عانيت خلال تسعة أفلام سابقة من إعادة صياغة مخاوف طفولتي وأحلامها، وهنا في هذا الفيلم أتحدث للمرة الأولى بصفتي شخصًا بالغًا عن كل ما يقلقني، إذ أتكلم بصراحة عن الثقة والآخرين والحب والجنس وإلى أين نحن ذاهبون؟! وهذه الأمور لم تكن تمثل مخاوف لي عندما كنت في السابعة أو التاسعة من عمري.

هذا الفيلم يتدفق حنانًا وأناقة وفتنة ونوستالجيا، وهو يستعرض أجواء ستينات الحرب الباردة في القرن الماضي بغرض مواجه التوترات المتصاعدة حاليًا، والتي تسترجع لعالمنا الأوقات العصيبة، وتفيد مشاهدة هذه القصة في معالجة الحرس والتوتر القائم، عن طريق مراقبة الشخصيات والأحداث والتعمق بالاستماع للتفاعلات والهواجس، وكيفية معالجة التطورات حينئذ، بدلًا من التركيز على الظروف التي أدت لذلك وأسبابها.

يقدم هذا الفيلم نظرة مبسطة لعالم بالغ التعقيد، ويبدو ذلك من خلال اكتشاف عاملة النظافة الخرساء البسيطة خفايا التجربة العلمية بمساعدة رفيقتها، وتورطها العاطفي تدريجيًّا مع «المسخ البرمائي»، وتكمن براعة «ديل تورو» في قدرته على توجيهنا سينمائيًّا للاقتناع بسرده الغريب بأسلوب استحواذي غريب.

إنه بالحق ربما أفضل فيلم «لغيليرمو ديل تورو»، ويعد بمثابة تحية جميلة وعاطفية لهوليوود القديمة التي اختفت حاليًا، ويعود ليذكرنا بأفلام الوحوش والغرباء بالحد الأدنى من المؤثرات والفذلكات السينمائية الجديدة الصارخة، وهو يغوص بنا عميقًا في أجواء ساحرة من «الجمال والدهشة والبراءة» التي بتنا نفتقدها حاليًا، كما يسترجع عناصر مشهدية مدمجة جذابة مشتقة ربما من بعض أجواء فيلم «الجميلة والوحش»، ويتجاوز ذلك لأجواء من السحر التخيلي مع شطحات رومانسية فريدة لا تنسى وفانتازيا مبهرة، وهو يكشف هنا عن بصيرة سينمائية فذة واستثنائية.

نظريًّا، لا يمكن استيعاب واقعية الأحداث، ولكنه يتحول لسحر خالص على الشاشة، كما لو أنه يتجول بنا في رحلة سياحية ممتعة لجذور الأحلام خلال الزمن، لينقلنا إلى أجواء حسية رائعة، حيث نرى مواجهات اللطف والخير ضد الشر الخالص المتمثل في الصراع الأبدي، لنجد طريق الخلاص المتمثل بقوة الحب القادرة على تجاوز «الكلام واللغة»، كما يغوص الفيلم بغرائبية مدهشة في موضوع «الجنس العابر للأنواع»، وحتى عندما ينغمس الفيلم لاحقًا في قصص «العذاب والمآساة»، تبقى روابط الحب متماسكة بين هذين العاشقين الغريبين «غير المتماثلين»، وبالمحصلة فهذا المخرج هو فنان سينمائي من طراز عالمي، ولا مغزى من محاولة تحليل كيفية إنجازه هذا العمل الفريد المدهش، الذي يتضمن تألقًا إبداعيًّا يشع بالبهجة والتأمل.

حاز هذا الفيلم جائزة «الأسد الذهبي» من مهرجان فينيسيا الدولي لعام 2017، وحصل على إجماع نقدي رفيع 92% في موقع «الطماطم الفاسدة» العالمي لنقاد السينما، وعلى معدل يتجاوز الثمانية من 10، ولا شك أنه استند لقدرات الممثلة «سالي هوكينز» المذهلة التي أعادت للحياة الشخصية بمضمون عاطفي فريد ولافت، وقد جاء ترتيب هذا الفيلم في الترتيب السابع لأحسن 50 فيلمًا مميزًا لعام 2017.

تفاصيل الحبكة الغريبة

– عاملة النظافة الخرساء والفنان المثلي والمخلوق البرمائي

أصيبت «إلسا إسبوزيتو» في طفولتها المبكرة بجرح مؤثر في الرقبة أدى لأن تصبح خرساء، إذ تتواصل مع الآخرين باستخدام لغة الإشارة، وتعيش وحيدة منبوذة في شقة فوق مسرح سينمائي، وتعمل بوابة وعاملة نظافة في مختبر حكومي سري غامض في بالتيمور خلال الحرب الباردة في أوائل الستينات. كان أقرب صديقين لها هما «جايلز» الجار المجاور، وهو فنان ورجل مثلي الجنس، ثم «زيلدا» زميلتها الأمريكية- الأفريقية التي تعمل أيضًا مترجمة في المختبر نفسه.

يتلقى المختبر السري مخلوقًا غامضًا ضخمًا في حاوية، ويعتقد أنه تم أسره من نهر ما في أمريكا الجنوبية، ويقود العملية الكولونيل «ريتشارد ستريكلاند»، وتكتشف إلسا الفضولية أن المخلوق عبارة عن كائن «برمائي- روبوتي» ذكي، ثم تبدأ بزيارته سرًّا، مشكلة صداقة خفية معه.

أوامر بتشريح المسخ ومحاولة تهريبه

– خاصية «إنماء الشعر» والتئام الجروح وممارسة الجنس مع إلسا وتدهور صحة المسخ فجأة

شكل الماء

شكل الماء

وسعيًا لاستغلال مزايا المخلوق المحتملة في سباق الفضاء، يوجه الجنرال «فرانك هويت» أوامره لستريكلاند لتشريحه سرًّا، ولكن عالم واحد وهو «روبرت هوفتسيللر» يعارض ذلك، لكونه يعمل سرًّا لحساب السوفيت، ويناشد بإلحاح لإبقاء المخلوق للمزيد من الدراسات والأبحاث، ويفاجأ بأوامر السوفيت لقتله ببطء ودراسة حالته، ثم تعرف إلسا ما يخطط للمخلوق من أذى، فتقنع صديقها جايلز بالمساعدة في تحريره، ويعلم هوفستيلر بخطتها ويختار مساعدتها، كما تتورط صديقتها زيلدا في عملية التهريب الجارية، وتحافظ إلسا على المخلوق مؤقتًا في حوض استحمام شقتها باستخدام مواد كيماوية خاصة لتكييف الماء (يعطيها إياها العميل السوفيتي هوفستيللر)، كما تخطط قريبًا لإطلاق سراحه في قناة مائية قريبة بعد أن تفتح مجاريها على المحيط خلال أيام، وجزء من محاولاته الحثيثة لاستعادة المسخ البرمائي، يستجوب ستريكلاند كل من إلسا وزيلدا على حدة.

وعودة للشقة يكتشف جايلز أن المخلوق الجائع قد افترس واحدة من قططه، ثم يهيج المسخ فيضرب ذراع جايلز بحدة، ويهرب من الشقة متخلصًا من الأغلال المعدنية، ويهرب للطابق السفلي قبل أن تجده إلسا وتعيده للشقة، فيلمس برفق على رأس جايلز الأصلع وعلى ذراعه المجروحة، فيكتشف جايلز في اليوم التالي بأن شعره الأسود قد نما، وبأن جروحه في الذراع قد التئمت وشفيت، وبعد ذلك تنضم إلسا للمخلوق في الحمام ويمارسان الجنس، ثم تحدث إلسا فيضانًا في حمام الشقة بغرض تجربة الجنس مع المخلوق تحت الماء، وفي الأثناء يهدد هويت حياة ستريكلاند إذا لم ينجح في إعادة المسخ الهارب في غضون 36 ساعة فقط، كذلك يخبر رئيس هوفستيللر الجاسوس السوفيتي بأنه سيتم تهريب المخلوق خلال يومين، ثم مع اقتراب موعد إطلاق المخلوق تبدأ صحته في التدهور تدهورًا سريعًا مفاجئًا.

مقتل العملاء والمعلم السوفيتي وهروب «إلسا» مع المخلوق وشفاؤها

شكل الماء

وفيما يتوجه «هوفستيللر» إلى لقاء رئيسه السوفيتي، يتبعه ستريكلاند بحذر، ويحدث تبادل لإطلاق النار يقتل فيه المعلم السوفيتي، ثم يبادر ستريكلاند بتعذيب هوفستيللر بغرض كشف المعلومات الخاصة بمكان المسخ، فيكشف له هذا الأخير تورط كل من «إلسا وزيلدا» قبل أن يموت متأثرًا بجراحه البليغة، فيهدد ستريكلاند زيلدا في منزلها، مسببًا الرعب لزوجها الذي يكشف له بأن إلسا ما زالت تحتفظ بالمخلوق، فيبحث ستريكلاند في شقة إلسا ليكتشف مذكرة تكشف فيها مكان أخذها للمخلوق.

في المشاهد الأخيرة الشيقة: عند القناة المائية، وبينما تقوم كل من إلسا وجايلز بوداع المخلوق قبيل إطلاق سراحه، يصل ستريكلاند فجأة ويطلق النار مبادرًا باتجاه «المخلوق وإلسا» فينجح المخلوق بشفاء جروحه ذاتيًّا، ثم يقتل ستريكلاند، ومع وصول سيارات الشرطة في اللقطات الأخيرة، يقفز المخلوق بإلسا إلى القناة المائية، حيث يشفيها من ندباتها في العنق ويحولها لخياشيم تتنفس بواسطتها، ويكشف جايلز خاتمة تؤكد بأن المخلوق وإلسا قد هربا معًا!

نهاية «هوليوودية/ هندية» تقليدية سعيدة أفقدت الفيلم قوته السردية وتميزه

والخلاصة أن هذه النهاية الغريبة «التقليدية/ الهندية» توفر ملاذًا «خرافيًّا- سيرياليًّا» لفئة الفقراء الكادحين المنبوذين من البشر، وخاصةً إن كان إيمانهم الديني ضعيفًا وهشًّا، وتخلق عندهم بصيص أمل في المستقبل، وحتى للإنسان العادي المهمش، فالحضارة البشرية الحمقاء لا تحقق التوازن «الحياتي- العاطفي» لمعظم البشر، إذ تحتكر قلة الجاه والنجومية والمجد والحياة الرغيدة والفرص الوظيفية والرواتب الهائلة نسبيًّا، ناهيك عن الإشباع العاطفي وإمكانات تحقيق الذات، فيما يقضي معظم البشر الآخرين حياتهم في الخذلان والحسرة والتيه والتخبط وضيق الموارد والبؤس المتنوع بأشكاله، وهذا بالحق محزن وتراجيدي و«غير إنساني» البتة، وربما تعزى له كافة المشاكل والجرائم والكوارث والإحباطات «الاجتماعية والنفسية» على وجه البسيطة، ونادرًا ما تطرقت الثيمات السينمائية «التجارية- الدارجة» لمثل هذه المواضيع المثيرة للجدل، والتي لا تلقى بالًا من قبل المتنفذين وأصحاب القرار في المجتمع الرأسمالي العالمي «النيوليبرالي» المتوحش، بل إن الأمر يزداد سوءًا مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة والإرهاب «الديني- الطائفي» العابر للقارات، وتفكك الدول، وكثرة النزاعات المسلحة، وتفاقم أزمات اللجوء والنازحين عبر الحدود والبحار!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد