لم ينجح الإعلام العربي في نيل ثقة جيل الشباب على وجه الخصوص، أو استمالتهم نحو رسالته وأهدافه، التي تهدف بالدرجة الأولى لحشد الجمهور وتوجيهه لمصلحة مذهبه وحزبه وسياسته التحريرية، فاختزال الشباب ووضعه في خانة المتلقي وحشده كرقم أو صوت عبر أساليب استطلاعات الرأي لأجل دعم أيدولوجيته التي لم تعد مقبولة من قبل فئة كبيرة من الشباب الواعي، الذي يطمح أن يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع، يستطيع التأثير على القرارات السياسية أو المجتمعية التي تتحكم بمستقبله ومصيره.

الشباب الذين اتجه الكثير منهم للعالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، هروبًا مما يفرضه الإعلام التقليدي، ليجدوه عالمًا واسعًا ومساحة كبيرة يعبرون من خلالها عن آرائهم ومطالبهم ورؤيتهم لما يجري حولهم سواء محليًا أو إقليميًا، فاستطاعوا بناء قنوات خاصة بهم، يوصلون من خلالها ما منعتهم قيود الإعلام التقليدي وسياساته التحريرية من إيصاله.

رغم الانتقاد الموجه لطبيعة التفاعل الذي يراه البعض أنه لخص جُلّ المشاعر بـ«تغريدة»!، وقمة الثورة بـ«هاشتاج» وشدة التضامن بـ«شير».

وناهيك عن تسرب يوميّا الكثير من المعلومات الشخصية، التي بدت عرضة لكل عابر سبيل لا لكل مهتم فقط، فتصبح الحياة الشخصية مرآة للحياة الرقمية، تعكس كل موقف ومناسبة وشعور أو حدث يومي وتُحملّه أولّا بأول بقصدٍ أو عن غير قصد.

إلا أن ميلاد ثورات الميادين العربية من أجل الحرية واحترام المواطن كانت من رحم شبكات التواصل الاجتماعي «فيس بوك وتويتر»، التي كانت تحرض وتحشد وتتحكم من خلال الصور ومقاطع الفيديو والأخبار التي كانت تتناقلها وسائل الإعلام التقليدي وتعتمد نشطاء الإعلام الجديد مراسلين ومصادر لها.

كما بدأ الساسة يخشون هذا العالم وردود فعله القادرة بقوة على تغير الواقع، ففتحوا نوافذهم له ومدوا جسور التواصل معهم، فكان لأغلبهم صفحاتهم يتفاعلون مع النشطاء الشباب، ويتيادلون الآراء ويردون على الاتهامات والأسئلة حول قضايا فساد أو غيرها، بعدما أثبت هؤﻻء الشباب الواعيين قدرتهم على التأثير على الرأي العام واستمالته نحو مطالبهم، واستطاعوا قلب الميادين وإحداث الثورات وإخضاع الحكومات لصوت المواطن، وإن حصدوها أكاليل بلا زهر.

فلسطينيًا، الشباب الفلسطيني كان له العالم الأزرق منفذا وجد به ما يعبر من خلاله عن أحلامه البعيدة ويروج لمواهبه ومهاراته، بعد الحصار المفروض على قطاع غزة وإغلاق المعابر الذي حرم المئات من المواهب المشاركة الفعلية بمسابقات عربية أو عالمية، والتشديد الأمني والاستخباراتي الذي تفرضه (إسرائيل) على الضفة الغربية.

فيما اتجه آخرون، إلى اتخاذ شبكات التواصل الاجتماعي بعالميه، كقاعدة انطلاق للعمل المقاوم، وذلك بنشر أفكاره ومواقفه تجاه جرائم الاحتلال، أو التحريض ضد سياسة معينة، فظلت صفحات كثيرة لشهداء رحلوا وتركوا وصاياهم قبل الرحيل عبر صفحاتهم، تخلد ذكراهم ونضالهم وصورهم، وجدت من يحملها ويسير على دربها وتبنيها.

لم يُرد الشهيد عمر الفقيه أن ينعته الفلسطينيون بالبطل، لأنه أراد «الرحيل إلى حلمه الجميل»، ولم يكن مهند حلبي يتمنى شيئا بعد استشهاده إلا أن يدفن في فلسطين حتى لا يبقى لاجئا، فهذه آخر أمنية كتبها في حسابه على فيسبوك، فهكذا تحولت حسابات الشهداء وكلماتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى صور يخلدها ذووهم والفلسطينيون.

في إحدى منشوراته على حسابه في فيسبوك، كتب الشهيد بهاء عليان ما وصفها بالوصايا العشر لذويه والفلسطينيين، وتكاد تكون كلمات الشهيد عليان هذه خلاصة ما يكتبه الشبان الفلسطينيون على حساباتهم قبل انطلاقهم لتنفيذ عمليات طعن أو المشاركة في فعاليات الهبة الجماهيرية في فلسطين.

عليان الذي استشهد بعد مشاركته في عملية إطلاق نار وطعن في إحدى الحافلات الإسرائيلية في القدس المحتلة، ذكر في وصاياه العشر ما يرد في الصورة أدناه المأخوذة من حسابه على فيسبوك.


هذه الوصايا تكررت وإن بصيغ مختلفة في معظم كتابات الشهداء على حساباتهم، أبرزها وصية للأهل بألا يبكوا على رحيله، لأنه اختار هذا الطريق بقناعة وإقدام، كما يظهر من المعاني التي قصدها الشهداء في كلماتهم.

أما بيان عسيلة فأطلقت قبل استشهادها على حسابها بتويتر وسم (هاشتاغ) «#القدس_عربيه»، ودعت متابعيها في العالم العربي للتغريد عليه إن لم يستطيعوا فعل شيء للقدس التي يحاول الاحتلال والمستوطنون تهويدها بكل قوتهم.

ومنا من ينتظر ليكون على دربهم!

لأرواحهم السلام والمجد لذكراهم..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد