بعد أن تحلل الشعب الجزائري في فبراير (شباط) 2019 من أشباح عشرية دموية واشتد عوده وتلاشت مخاوفه إلى أن يقول هذا الشعب البسيط كلمة واحدة كانت الفصل في هذا البلد «يتنحاو ڨاع» أو «ترحلوا يعني ترحلوا» بمعنى ارحلوا جميعًا، هذه عبارة واحدة تلخص كل مطالب الشعب الجزائري الذي قُتلت أحلامه وعُبثت بكرامته.

كان لا بد لهذا الشعب أن يثور عندما بيع البلد وسرق الوطن، كان لابد أن ينتفض مشايخه عندما ركنت القدوات في أجواف المداشر وغيبت الكفاءات، وهجرت الأدمغة، كان لابد أن يصرخ هذا الشاب النوفمبري عندما تفشت البطالة وعُممت الرشوة وكثرت البيروقراطية والمحسوبية، كان لابد من كل هذا في وطن الشعب فيه هو سيد الكلمة.

بعد فترة من الحراك استقال عزيزهم الذي ارتبط اسمه بالجزائر ما يقارب مدة عشرون سنة وبعد جمعة 22 من الشهر الثاني بدأت بعض رموز العصابة التابعين للنظام الفاسد بالزوال بفضل إصرار الشعب على كلمة واحدة رافضين أنصاف الحلول تحت مطلب واحد هو محاسبة الجميع دون استثناء إلى أن حوُل الحراك إلى عراك بين من يطلب الحرية لربراب ومن ضدها، تفجر المجتمع بين الإيدولوجيات المختلفة وضاع صوت الشعب الموحد وضاعت المطالب الجوهرية التي بني عليها الحراك وإستمد منها قوته، قُسم  الشارع إلى محايد للقايد صالح ومعارض وآخر مؤيد لرجل واحد يرون فيه مخلصهم الكلي من شرور العصابة صانعين منه رمزًا للبطوله وكأنه المنقد الوحيد والأمل الأخير ومن هنا بدأت ملامح العداوة تظهر بين الفيالق وكسرت وحدة الحراك وعاد الشعب إلى ما كان معتاد عليه قبل 22 فبراير، عاد الشعب إلى تقديس الأشخاص ورهن مستقل الوطن في رجل واحد وهذا ما زرعه النظام السابق في نفوس الشعب حتى صار المسؤول أهم من الشعب وكأن جزائنا أمة فقيرة بالإنجازات والرجالات كلما خرج أحدًا منهم رأو فيه حنين الأب القوي والمخلص المنتظر لدرجة وُضع له هالة وكأنه منزل من السماء.

إن ظاهرة وثنية الأشخاص لا زالت مستمرة رغم كل درجة الوعي التي أظهرها هذا الشعب العظيم ربما يعود السبب الأولى إلى الشعور بالضعف والعجز والافتقار إلى القوى الموجودة وربما يكون كل هذا التعظيم مجرد كلام سفسطائي محض للإعفاء من مسؤولية البحث والتدقيق، ومنه علينا تجنب صناعة الطغاة يا فخامة الشعب، كفى صناعة لهذه الموهبة العربية الخالصة التي تتجلى في تبجيل قائد معين يحمل في كل أسبوع رسالة مملوءة بالوعود فارغة من الموعود به فلو واصلنا بهذا الشكل سوف نتفوق على شعوب الأرض قاطبةً في عبادة العباد وهنا يستحيل عليها هزم العصاة التي ما زالت تحكم الجمهورية، لذ وجب علينا الابتعاد وعدم الانجرار وراء الطاعة العمياء لكل أفكارهم وأقوالهم التي لم نشهد لها فعل واحد فربما تكون السبب لكثير من الضياع والتراجع في حراكنا المبارك فقد ولى زمن تقديس الاشخاص في الجمهورية الجديدة ذات المبادئ النوفمبرية.

نحن للأسف الشديد في هذا العالم الثالث تسيطر علينا العاطفة بقوة وتقودنا بكثرة نحو الصنمية البشرية وتمجيد الناس بدل دعم التوجهات والأفكار مما يحدث إعطال للفكر وإبطال للعقل وشلل تام لنضالنا الوطني بمعنى آخر لابد عن الإيمان بالفكرة لا بحاملها، لذا عليكم لملمة شظايا نفوسكم والصدح أيها الشعب بكل شجاعة يتنحاو ڨاع ولنبنيها على أسس سليمة عادلة، اعتصموا بإرادتكم وابقو متحدين واعلموا أن الجيش ليس رجلًا واحدًا وجينرالات الفساد ليسوا المؤسسة العسكرية، إن  الجيش من الشعب وإلى الشعب لبناء جمهورية ديمقراطية مدنية فأهلًا وسهلًا ومرحبًا في الحراك لمن يناضل في سبيل دولة المؤسسات كمؤسسات وليس كأشخاص فإن لم تتوحد الصفوف والمطالب ضاع كل شيء.

وتحيا جزائرنا حرة أبية، فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد