فنلندا البلد الثامن من حيث المساحة في أوروبا.. أقلُّ بلدان الاتحاد الأوروبي كثافةً سكانيةً، يبلغ عدد سكانه 5.5 مليون نسمة، وبحسب مجلة «نيوزويك» تتزعم فنلندا قائمة الصحة والاقتصاد والتعليم والبيئة السياسية ونوعية الحياة، كما تعتبر فنلندا ثاني أكثر البدان استقرارًا في العالم.

بلد يعرف قيمة العلم، أعطاه احترامه، فبادله التعليم احترامًا، وأعطاه ثمرته، وبعض الثمرات لا تحتاج إلى أكثر من قطرة ماء!

بلد يحوي نظامَ التعليم الأوحَد الذي لا يطلب من طلابه واجباتٍ مدرسيةً بالمعنى المفهوم؛ ففي جِلسة لميشيل مور، من برنامج «سايكو» الشهير، مع بعض من طُلّاب فنلندا، سأل عن المدَّة التي استغرقها آخر واجب منزلي أجرَوْه، فقالوا: عشر دقائق!

– سأل المعلِّمة: ماذا يفعلون في المدرسة إذن؟

– قالَتْ: ما يحبونه!

– سألها: ماذا إذا أحبوا تسلُّق الأشجار؟

– أجابت ببساطة: سيتسلقونها، وفي اليوم التالي يخبرونني بأنواع الحشرات التي وجدوها.

– يسأل مدرس الرياضيات عن أهدافه، فيقول: لا بد على طلابي أن يشعروا بالسعادة، ثم بكى تأثرًا.

– صاح رايان (الأميركي): بحق الجحيم، ماذا تفعلون؟

لا تعرف فنلندا نظام «ادفع لتتعلم»، أو «ساهم لترتقي»، بل إنها في الحقيقة تقدِّم كل السبل لطلابها ليتفوقوا.

أولًا: أساسيات التعليم

1- على المدرسة أن تكون قريبة من طُلَّابها؛ هناك مدرسة لكل حي، ولو كان سكن الطالب أبعد من ثلاثة كيلومترات عن أقرب مدرسة له، فإن وزارة التعليم في فنلندا تكون مسؤولة عن توفير حافلة مجانية لنقله إليها.

2- حتى الطلاب الأجانب يمكنهم الانخراط في التعليم المجاني، شعار الفنلنديين أن التعليم «ليس ملكًا لأحد، فليس من حقِّ أحدٍ أن يمنعه عن أحد»، أو بعبارة مختصرة (Free education to all).

3- وعلى خلاف نظريةِ أنَّ «مقاسًا واحدًا لا يناسب الجميع»، وهي تصوُّر أميركيّ يعني أنه لا يُمكِن تقديمُ نوعٍ واحدٍ من التعليم لجميع الطلَّاب، استطاعت فنلندا أن تضمَّ جميعَ الطلَّاب، أيًّا كان مستواهم الاجتماعي، أو الفكري، أو نشاطهم العقلي، أو معاناتهم من صعوبات في التعلم، في منهج واحدٍ، وبطريقة واحدة، دونَ إجهاد.

4- ليس ثمة ما يُسمى بالزيّ الموحَّد، يمكن لهم استبدال الحذاء كيفما شاءوا، وارتداء ما يشاءون.

5- يدرس الطالب أسبوعيًّا من 10 إلى 20 ساعة، بمتوسط ما بين 2 و5 ساعات يوميًّا، أكثر من نصفها يكون ممارسةً للنشاطِ، والألعاب، وحلّ الألغاز والمسابقات، وتتخللها فترات الراحة.

6- الواجب المدرسي يجب ألا يتجاوز في مدته ساعةً ونصفًا فقط في أقصى الحالات.

7- لا فرق بين مدرسة الحي والمدينة، كلُّها بالمستوى نفسه، مستوى معياري مراقَب من الدولة.

8- يقوم الطلاب بالْخَبْز والطبخ، وممارسة الرياضة، وحل الألغاز، والتدرب على أمان الإنترنت، في المدرسة.

ثانيًا: المعلم

1- لا يمكن أن يقوم معلم لم يحصل على الماجستير، بالتدريس في فنلندا.

2- حتى الحاصلون على هذه الدرجة العلمية، لا يُقبل منهم إلا نحو 11% فقط.

3- يعمل المدرِّس 4 ساعات يوميًّا، مما يتيح له فرصة للإبهار بالتخطيط للدرس ومساعدة الطَّلَبة.

4- يحافظ المعلمون في فنلندا على المعيار الذي تخصصه الدولة، لكن لهم كامل الحرية في تقديم منهج يتناسب مع الطلبة، دون التقيد بأي منهج سابق.

5- للمعلم القدرة على تقسيم المادة، وتحديد الدروس، وطريقة التدريس، حسب رغبته واقتناعه بأهمية المواد، وشموليتها ومحافظتها على المحتوى العلمي المناسب.

6- ليس ثمة ما يُسمَّى بالتلقين أو التحفيظ أو التسميع، القدرات المستخدمة هي الاستكشاف وإثارة الشغف العلمي، والمشاركة.

7- لمهنة التدريس مكانة خاصة في المجتمع الفنلندي، بسبب احترام الجميع لها، والرواتب المرتفعة التي يحصلون عليها. وهي مرتبات قد تفوق معدل المنظمة الدولية للتعاون الاقتصادي والتنمية OECD.

ثالثًا: مرحلة ما قبل التعليم

1- وهي سنة واحدة، اختيارية، تدور حول اللعب والاستمتاع بتمضية الوقت، والهدف إعداد الطفل جسميًّا (تناول الطعام بطريقة صحية وآمنة، وإبقاء الطفل بعيدًا عما يمرضه، أو يؤثر في جسده) وعقليًّا (عن طريق التواصل وتعليمه كيفية التعامل مع المحيط الاجتماعي ومهارات التأمل).

2- يزور عامل الرعاية بعضَ الأسر بطريقة مفاجئة، لضمان تلقي الطفل بين أهله لجوٍّ يساعده على بناء شخصيته، وقد يؤدي تكرار الإساءة إلى منع الأسرة من تربية الطفل.

3- التعليم المبكر للأطفال ليس إلزاميًا في فنلندا لكنه حق من حقوقه فيه يقوم الأطفال بتكوين الصداقات، والقدرة على التعامل.

4- بالنسبة للأطفال في سن 3 إلى 6 سنوات، فإن المعدَّل الوطني هو مدرِّس واحد وممرضتان لكل 20 طفلًا.

بالنسبة للأطفال الأقل من 3 سنوات، فإن المعدَّل هو مدرِّس واحد وممرضتان لكل 12 تلميذًا.

رابعًا: التعليم الأساسي

1- يبدأ من سن السابعة ولمدة تسع سنوات، وفيها يَدرُس الطالب اللغة الأم (الفنلندية أو السويدية)، بالإضافة إلى الأدب، واللغة الثانية، والدراسات الاجتماعية، والصحة وكيفية المحافظة عليها، والدين والأخلاق والموسيقى، بالإضافة إلى الرياضيات والكيمياء والفيزياء.

2- ليس ثمة درجاتٌ أو تقييمٌ في هذه المرحلَة كلِّها، بل تقوم المدرسَة باختبار عينة عشوائية (10 في المائة) والاحتفاظ بالنتيجة في سِرِّيَّة، حتى يطلبَها مجلس التعليم الوطني ليعرف مستوى المتعلِّمين.

خامسًا: التعليم الثانوي

1- هناك مساران أساسيان للتعليم؛ إما الأكاديمي، ويعني إكمال الدروس والاستزادة من العلوم والعمل في المجال الأكاديمي (lukio)، والمسار المهني (ammattikoulu)، لثلاث سنوات لكل منهما. كما يمكن اختصارُها كما يشاء، بشرط إنهاء 75 دورةً دراسيةً بمعدل 3 ساعات، منها 47 – 51 إجبارية.

3- بعد الانتهاء من السنوات الثلاث الأساسية للتعليم المهني، يُمكَن للطالب التقدُّم للحصول على أي عمل في الجامعات المهنية، أو معاهد العلوم، والفنون التطبيقية.

سادسًا: التعليم العالي

1- هناك سبع عشرة جامعة، وسبع وعشرون جامعة علوم تطبيقية في فنلندا.

2- هناك الجامعة المفتوحة Avoin yliopisto، وليست له درجة محددة، أو شهادة معتَمَدَة، وإنما الهدف هو الاستزادة، وصقل الخبرة، برسوم بسيطة لا تتعدى 60 يورو لكل دورة.

3- هناك ما يُسمى (التعليم الحرّ) sivistystyö vapaa، وهو الآخر لا يعطي أي درجة علمية، وإنما الهدف منه دعم مختلف الشخصية، والإسهام في الوصول إلى المجتمع الديمقراطي.

أُسُس بسيطة، وإرادة حقيقية… هناك يُنفِق التعليم على الدولة، ويصنع أناسًا أبعد عن التطرف، أقرب إلى فهم قيمة الحياة، أما دولنا التي تنفق ميزانيتها بتلكؤ على التعليم، فيبدو أنها تحتاج إلى بعض الإرادة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد