آنه العندي كصايب من نخل جيكور … وآمس بآخر حرب كصو كصايبها

نعم؛ ربما كان يعلم «السياب» بأن ضفائر البصرة التي كانت تتغنى بها الرياح، قد يأتي يوم وتنحرها مناجل السياسيين، عاصمة العراق الاقتصادية، وثالث أكبر مدينة في العراق «البصرة الفيحاء»، تواجه خطر الإزالة من التاريخ، بعد المؤامرة التي حيكت ضدها، وقطع الماء الصالح للشرب عنها، الأمر الذي سبب تحول حالة المواطن الصلبة، إلى حالة غليان؛ وبالتالي نشوب نيران، عجز ماء الحكومة المالح عن إطفائها.

فلم يكتف السراق بما هم عليه الآن، بل نزلت عليهم بعض التحديثات وكأنهم «آلة إلكترونية» فسرقة المليارات غدا حدثًا روتينيًا مملًا بالنسبة إليهم، المحافظة على المنصب، وإدارة البلاد تتطلب إدارة بعض الصراعات حسب تحديثهم الجديد؛ ولهذا طلبوا من الشركات الأمريكية المنتجة لعقولهم أن تنزل لهم «تحديثًا» عما يفعلوه، الأخيرة لم تقصر أبدًا، فهي بحاجة إلى بعض السذج؛ لجعلهم حقول تجارب لمشاريعهم، وتحديثاتهم في العراق، فتم التوصل بنهاية الأمر إلى شل حركة العراق من جديد، وتكرار «مأساة داعش والغربية» ولكن هذه المرة في الجنوب.

أصبحنا وأصبح الملك لله! ولكن هذه المرة أصبحنا ولكن أصبحنا بلا ماء!

نعم؛ هكذا قال المواطن البصري عندما حل به الصباح وانصدم أن بصرة «السياب» قد جفت أنهارها، وأصابها فقر الدم.
بعد أن غدت خالية تمامًا من الماء الصالح للشرب، وكل ما يوجد هو ماء ملوث تسبب بتسمم أكثر من 30 ألف مواطن، في ليلة وضحاها.

ما الذي يحدث؟ لسان حال أهالي البصرة، ومَنْ هو المسبب؟ ومَنْ هو المستفيد؟ ولماذا؟

بقيت هذه الاسئلة العقيمة تبحث عن جواب يشفي ألمها، ولوهلة لم يكن المواطنون يشكون أو حتى يفكرون بأن حكام مدينتهم، قد ضجروا من نظامهم القديم، وقرروا استقراض تحديث جديد لهم، يقضي بدمار البصرة باعتبارها تمثل مركز الثقل الاقتصادي للعراق، وإبراز حدث من شأنه عرقلة الأوضاع؛ وبالتالي تشكيل حكومة طوارئ، وهذا هو المبتغى من بداية الأمر.

وبعد أن أيقن الشارع البصري أن للصبر حدودًا، ومن غير المنطقي إبقاء الأوضاع على حالها؛ قرروا النزول إلى الشارع، والتظاهر للتعبير عن مطالبهم المشروعة، وهي حصولهم على الماء الصالح للشرب.

لم يطلب المواطن البصري الكثير، إنه فقط طالب بأن يشرب ماء صالحًا للشرب، هذا المطلب لم يحرك ويهز شوارب السياسيين؛ والسبب أنهم وضعوا تلك الشوارب تحت ماكينة الكرسي، وربما عن طريق الخطأ، قد تم تزيينها ليبقوا بلا شوارب، لعل المظهر يتغير قليلًا، ويستمرون في ممارسة عقدة المنصب.

استمر المتظاهرون في مطالبهم السلمية، رغم عدم الاستجابة لها، متأملين أن ينزل الوحي، ويحرك ولو خيرًا واحدًا من سياسي الصدفة، لينظر إلى قضية البصرة، ويساهم في حل هذه المشكلة الخطيرة.

ولكن قرر الوحي عدم النزول، وتلويث نفسه بالسياسة، الأمر الذي جعل المتظاهرين، يكثفون أعدادهم، ويطالبون بحل مشكلتهم، حتى تعاونوا فيما بينهم، وتجاوزت أعدادهم الآلاف، هنا اتخذ السياسيون قرارًا، وتوجهوا لخلط الأوراق، ولكن لم يخلطوها لحل الأزمة، بل بدؤوا مرحلة تصفية الحاسبات، مستغلين اسم التظاهرات، جاعلين منها ستارة لدس السم بالعسل، وتصفية خصومهم، وهنا بدأت قصة أخرى.

فبعد أن كانت التظاهرات سلمية وقانونية مشروعة، قرر أنصار الشيطان في البرلمان أن يسيسوا تلك التظاهرات؛ ولهذا أطلقوا زمرهم الفاسدة إلى داخل المجاميع السلمية، ليبدؤو بتخريب كل شيء، وضياع المطالب بعد أن أمروهم بإحراق الممتلكات العامة، والسفارات، والأسواق التجارية، بل وحتى المستشفيات، ومقرات الأجهزة الأمنية الرسمية.
ولهذا وبسبب هذه الأعمال الإجرامية تم تأكيد مثل «أحرق الأخضر واليابس»، فاصطدمت القوات الأمنية مع المتظاهرين الحقيقيين، ظنًا أنهم هم المسببين، ووقع الكثير من الشهداء والجرحى من الطرفين، في الوقت الذي يضحك فيه المسبب الأول والأخير لهذه الأزمة، وهو يطالع القنوات العراقية، من داخل الخضراء أو مكان تواجده خارج العراق، وما تنقل من أخبار صادمة للجميع إلا له، ويشاهد حجم الدمار الذي شهدته البصرة؛ كل ذلك لأجل شيء واحد، وهو استمرار الاضطرابات في العراق، وابتعاد البرلمان عن تشكيل الحكومة؛ حتى يتسنى لشكله البائس من مزاولة منصبه، والجلوس على الكرسي.

فيما تشهد البصرة للحظتنا هذه انفلاتًا أمنيًا مخيفًا، وتدهورًا في الأوضاع، واستمرار المشكلة الرئيسية، وهي عجز الحكومة عن تنصيب محطات لتنقية المياه وتحليته؛ لإنقاذ 4 مليون مواطن.

الأمر الذي يلزم على الجميع التدخل فيه لإغاثة البصرة، ويلزم على منظمات المجتمع المدني، ومنظمة حقوق الإنسان أن تجد حلًا لوقف النزيف الناتج عن التسمم الذي يحدث في البصرة، وعن النزيف الثاني الذي تسببت به أجندات سياسية داخلية، ولكن بتوجيه خارجي.

ومن وجهة نظري أرى أن مشكلة الكرسي قد تتطلب اختزال معادلة معقدة؛ لعل الأكسدة تتدخل وتفجر تفاعلًا نوويًا، يؤدي إلى تفكك محلول الكرسي، لعلي أكتشف مادة صُنعه، لأدخلها في مختبر الفيزياء، وأجري عليها تجربة بسيطة، لكي أُحدث انشقاق المادة، وأفككها لعل من يتشبث بها ينصهر، ويتفكك عن مادته الأم، وهي الكرسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد