عندما اعتزم بروفيسور الرياضيات الكندي والمبشر السابق غاري ميلر Gary Miller أن يقرأ القرآن، اعتقد أنه سيجد سيرة ذاتية لمحمد يذكر فيها الأوقات العصيبة التي عاشها، لكن لم يجد ذلك، بالمقابل فقد وجد أن اسم عيسى مذكور 25 مرة في حين لم يُذكر اسم محمد إلا أربع مرات.

لقد ورد اسم مريم في القرآن أكثر من 30 موضعًا، ووصفها القرآن بالصلاح والعفة والتقوى وجعلها صدِّيقة، وذكر كرامات وقعت لها، منها أن الله كان يرزقها بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، لكن الأهم على الإطلاق أن القرآن اختار مريم نموذجًا مثاليًّا للنساء؛ ففي السورة الثالثة من القرآن؛ التي تحمل اسم عائلة مريم (آل عمران) يقول تعالى: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران:42]، وأكد هذا الاصطفاء الإلهي لمريم نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فقال: «كَمَلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ…» (صحيح البخاري). وهذا يجعلنا نعدُّ مريم – عليها السلام – السيدة الأولى في القرآن.

لم يجد البروفيسور سورة باسم إحدى زوجات محمد أو ابنته، بل وجد سورة كاملة في القرآن باسم مريم، وفيها تشريف لهذه السيدة لم يجد له مثيلًا في أناجيل النصارى.

في هذه المقالة نقف على تأملات وجماليات في سورة مريم:

(1) سورة مريم تتميز بجو عاطفي دافئ من الرحمة والحنان والود واللطف، خصوصًا في قصة مريم وقصص الأنبياء المذكورين فنجد مفردات: الرحمة، الرضا، الحنان، البر، السلام، النعمة، الود… وغيرها.

(2) يتأكد جو الرحمة والود في سورة مريم بأنه لم يرد فيها أي اسم من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين إلا اسم الرحمن، الدالِ على رحمة الله المطلقة، حتى في تلك الآيات التي يتوعد الله فيها الكافرين بالعقاب فنجد اسم الرحمن.

(3) جو سورة مريم يُذكِّرنا بالعواطف الأنثوية النبيلة التي تتميز بها المرأة بشكل عام فتغمر من حولها بالحب والحنان والرحمة، ولهذا دلالة ليست على مكانة مريم العظيمة في الإسلام فقط، بل أيضًا على أهمية دور المرأة في الإسلام.

(4) تحتل سورة مريم قلب القرآن؛ فالقرآن يضم 30 جزءًا وسورة مريم الأنثوية في مطلع الجزء السادس عشر، وهذا يؤكد مكانة مريم المرموقة من جهة، ومركزية دور المرأة الصالحة في المجتمع الإنساني من جهة أخرى، إنها أهمية تشبه أهمية القلب للجسد.

(5) المقطع الأول في السورة يتحدث عن الولادة المعجزة ليحيى- عليه السلام- فقد شاء الله أن يأتي من أب طاعن في السن وأم عاقر، فكانت هذه المعجزة تمهيدًا طبيعيًّا لمعجزة أكبر هي ولادة عيسى بغير أب، وينتهي المقطع بمعجزة أخرى هي حديث عيسى في المهد، وبيانه الواضح بأنه عبد الله ورسوله، وانتهت فواصل آيات هذا المقطع بحركة الفتح المتحولة إلى ألف، وهي فواصل رخيّة ممتدة الصوت تخرج من الجوف كحركة الزفير: (زكريا، خفيا، عشيا، حيا، تقيا، سريا، نبيا….)، ولا شك بأن في هذا ما يناسب تمامًا الجو العاطفي من المشاعر الإيمانية الراقية لشخصيات القصتين، واصطفاء الله لهم وقربه منهم واستجابته لدعائهم.

(6) تفاجئنا الآية 34 إلى الآية 40 أو بمعنى أدق تفاجئ أسماعنا بفواصل تنتهي بالسكون لحرفي (نون) و(ميم) مسبوقين بياء أو واو: (يمترونْ، فيكون، مستقيمْ، عظيم، مبين، لا يؤمنون، يرجعون)؛ وهذا الإيقاع الصوتي الجديد يتناسب تمامًا مع كون هذه الآيات تعقيب حاسم من الله وكلمته الفصل في حقيقة عيسى بن مريم، وينفي التعقيب بشكل قاطع بنوته المزعومة لله، وينتهي بتهديد مبطن بالعقاب للقائلين بهذه الفرية بأن مرجعهم إلى الله (وإلينا يرجعون).

(7) تعود فواصل حركة الفتح المتحولة إلى ألف، برخاوتها وما تبعثه من راحة في النفس والنَفَس لتتناسب مع عودة الآيات إلى وصف علاقة الحب بين الله والأنبياء (إبراهيم، وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس ونوح وذرياتهم) الذين اصطفاهم الله بالهداية والإخلاص في عبادته والدعوة إلى التوحيد، (أولئك الذين أنعم الله عليهم)، وينتهي المقطع بصورة قلمية رائعة تدل على خضوعهم لله؛ فهم ساجدون لله ويبكون من خشيته، ويقتدي المسلم بهم فيسجد إذا قرأ أو سمع هذه الآية.

(8) المقاطع أو الأقسام المتبقية من السورة تضمنت الرد على المعاندين من المشركين ومنكري البعث بعد الموت، وخصوصًا القائلين بأن عيسى ابن الله وتضمنت ترهيبهم بما ينتظرهم من غضب وعذاب، وبينها بعض الآيات التي تطمئن المؤمنين بالاستقبال الحسن لهم من الله والجنة التي تنتظرهم، ومع أن فواصل هذه المقاطع تنتهي بحركة الفتح المتحولة إلى ألف، فإن هناك تباينًا عن القسم الأول في السورة باستخدام حرف مضعَّف بالتشديد في الكثير من الفواصل: (مردًّا، ضدًّا، عَدًّا، إدًّا، هدًّا، عدًّا، لُدًّا، أزًّا…) وهذا يتناسب مع جو الوعيد الشديد للكافرين.

الخاتمة:

منح القرآن منزلة خاصة جدًّا لمريم واحتفى بولدها وبسائر الأنبياء – عليهم السلام – وهذا يؤكد أن القرآن من مصدر إلهي. كما يؤكد أن دعوة الأنبياء ودينهم واحد هو توحيد الله في العبادة والتوجه وإفراده بالحاكمية، ومن معاني التوحيد أن القرآن يوحد الطريق الموصل إلى الله فيجعل الأنبياء جميعًا من لدن آدم إلى محمد ومرورًا بإبراهيم وموسى وعيسى سلكوا الطريق نفسه ودينهم واحد هو الاستسلام لله وإخلاص العبادة لله، والدعوة إلى توحيده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد