كعادةِ يوميةِ احترفتها في الغربةِ حتى باتت أوّل ما يُكتب في كلِّ خانة تحتضن كلّ تاريخ ميلادي في التقويم الشهري الملصق على باب الثلاجة، مشيرة إليها بكلمة «ماما» لتذكرني بضرورة الاتصال رغم زحام الحياة وضجيج الرأس، سأقوم بمهاتفتها سكايبيًا ليمنحني صوتًا وصورة، سأسألها عن حالها الذي بالكاد يخطر ببالها منذ خروجنا من البلد والذي يعاني إهمالًا حادًا، ستزعجني كثيرًا إجابتها المعتادة بأن لا وجود للفرح في حضرة الغياب عنها، سنتجادل حول الرضا بأقدارنا وأهمية فتح باب القلب لاغتنام فرص الفرح الآتي رغم المنغصات، سنتحدث عن طبيخها وطبيخي ليومنا هذا وسأضيف: «وضعت عليها تتبيلة تستاهل فمك»، ولكن في هذا اليوم أي الثامن من آذار، أوّل ما قالته، أين أنتِ؟ وبصوت ينمّ عن استغراب كبير لتأخّري، ولماذا حتى الآن لم أنطق بكلمة واحدة لتهنئتها بمناسبة يوم المرأة العالمي.

يا أمّي، هذه أكذوبة كبيرة من أكاذيب العالم الأول، يصيغونها ويلصقون بأمّ هذا اليوم صفة معينة ويعتبرونه إنجازًا عظيمًا يجب على الجميع الانصياع له وترديده خاصة دول العالم الثالث البعيدة عن الفقه به من وجهة نظرهم، ونحن للأسف نمتلك عقولًا خصبة وطاعة مستميتة لكل ما يأتي من هناك، ليس بإمكاننا رفض هذه المسميات ولا أضعف الإيمان أن ننتقدها، نصفّق بحرارة شديدة ونقبل المشاريع التوعوية ونبدأ بنفخ رأس النساء في بلداننا بالمواد والقوانين والحقوق الجاهزة، ما علينا سوى التطبيق بحذافير كل كلمة ونحن أفضل من نقوم بهذا الدور للأسف.

ليس كل ما يأتينا من العالم الأول مقدس وصحيح بالمطلق، وليست تصنيفاته للحقوق والأيام تستدعي منا التطبيل دائمًا.
هل حقًا الاحتفال بنا نحن النساء في يوم الثامن من آذار شيء مفرح يزيد من هيبتنا ويعلي شأننا في مجتمعاتنا ويعيد الحقوق لأصحابها؟ هل بتصنيف الأيام يتم تذكير البقية ممن لم يشملهم بضرورة الاحترام والمعاملة الإنسانية وعدم التعرض بالعنف أو الظلم؟ هل بوضع يوم وحقوق للمرأة منع لتمييزها أم هو التمييز بعينه؟

قمّة التمييز أن يتم عمل يوم يخص الاحتفال بالمرأة أو التذكير بحقوقها على اعتبار أنها كائن فضائي مثلًا، وليس هناك أي صفة مشتركة مع الإنسان ليشملها مصطلح «حقوق الإنسان».

عندما تصبح الحقوق الطبيعية أشياء تحتاج لتاريخ للتذكير بها وفرض احترامها، إضافة إلى أنّ فعلها يستدعي الدهشة بترك الأفواه مفتوحة والأجساد متسمّرة؛ إذًا فقدت سمتها الطبيعيّة ودخلت حيّز الإجحاف فالحقوق لا تستجدى ولا تصنّف.

العالم بتصنيفاته التي يعتقدها أنّها من أنصفت المرأة ووقفت كسدٍّ منيع ضد العنف والظلم الممارس ضدها هو ذاته الذي ألغى معنى الشراكة بين الجنسين في المجتمعات وأشعل بينهما معارك لا نهاية لها، وحرف بوصلة النضال الحقيقي ضد الظلم والعنف والعنجهية والفساد المنتشر في العالم والواقع على الإنسان بغض النظر عن اختلاف جنسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد