كان اعتقال سعد زغلول ومنعه من حضور مؤتمر الصلح بباريس ثم نفيه خارج البلاد , بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل ثورة 1919 في البلاد, فخرجت جموع الشعب تواجه رصاص الانجليز بصدور عارية  في شجاعة منقطعة النظير .

 

وتساقط الشهداء والجرحى وسالت الدماء في الشوارع والميادين, دون أن يفت ذلك في روح الشعب المتعطش للحرية والاستشهاد, ولم تكن المرأة المصرية أقل إقداما من الرجال في ذلك !

 

فشهدت شوارع القاهرة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث, مظاهرات نسائية صرفة ترفع الأعلام وتهتف للحرية وتنادى بسقوط الاحتلال والحماية .

 

في يوم 16 مارس 1919 – أي بعد نفى سعد ورفاقه إلى مالطة – خرجت أول مظاهرة نسائية وكانت تضم 300 سيدة , وخرجن من “جاردن سيتى “,وسرن ماشيات حتى وصلن إلى “بيت الأمة” – بيت سعد زغلول- ,هاتفات : تحيا مصر ويحيا سعد , فضرب البوليس الانجليزي حصاراً حولهن لمدة ساعتين , وهن واقفات في الشمس , وأرسلن باحتجاجهن إلى سفارات الدول , فاحتج القنصل الأمريكي على هذه الفظاعة , فصدر الأمر على عجل برفع الحصار وتمكين السيدات من الخروج من النطاق المضروب حولهن , وانصرفن إلى بيوتهن بعد أن وقفن إلى جانب الثوار محتجات على قتل الأبرياء مطالبات بحرية مصر .

 

وهذا اليوم السابق صار فيما بعد يومًا للمرأة المصرية , وكان طبيعيًا أن يخرج من رحم هذا اليوم أيام أخرى, وبطولات عديدة وشجاعة نسائية قلما نجدها ونحن نطالع صفحات التاريخ , فكانت شفيقة محمد واحدة من هؤلاء التي فيما يبدو أنها قد تجرعت حبوب الشجاعة منذ ذلك اليوم الذي كان دافعًا قويًا لنزول النساء بصورة أكبر إلى الشارع  في الأيام التالية .

 

في يوم 10 ابريل سقطت أولى شهيدات ثورة 1919 وهى شابة عمرها 28 سنة , وهى أول امرأة مصرية تسقط برصاص الانجليز منذ اندلاع الثورة , أما قصة استشهادها فهي على النحو التالي :

 

“شاركت شفيقة محمد في مظاهرة يوم 10 ابريل 1919, وكانت مظاهرة كبيرة ضمت عدد كبير من النساء , وسرن في الشوارع حتى وصلن مقر المعتمد البريطاني, وطلبن مقابلته ؛ ليرفعن إليه احتجاجًا مكتوبًا , فمنعنهن العسكر الانجليز , وضربوا حولهن حصارا بالبنادق , ورغم ذلك تقدمت واحدة منهن “شفيقة محمد” , وهى تحمل العلم في يد والاحتجاج في اليد الأخرى, وجرت حتى وصلت إلى مكتب   “ملن شيتهام”,فتناول الاحتجاج من شفيقة ودعاها للدخول إلى مكتبه فدخلت وراءه, وأشار إليها بالجلوس فرفضت قائلة : لن أجلس إنني مستعجلة !.”

 

يا لها من جرأة تحسد عليها , يطلب منها القائم بأعمال الاحتلال الجلوس في مكتبه فترفض فى عزة نفس وكبرياء لا مثيل لها , هذا موقف يجب أن يضرب به الأمثال للأجيال القادمة لا يجب أن نمر عليه مرور الكرام ولكن للأسف هذا ما حدث !

 

نعود مرة أخرى لنستكمل معًا هذا المشهد البطولي الرائع:

“فتصفح “شيتهام” الاحتجاج وتظاهر بأنه لم يفهمه, مع أنه يجيد اللغة العربية قراءة وكتابة وقال لشفيقة :  ماذا تريدين؟ فأجابت :إنه احتجاج على الأعمال الوحشية التي يعاملنا بها جنودكم بدون ذنب؛ إلا إننا نطالب بحرية مصر واستقلالها !”

 

وفى قمة التبجح وبدم انجليزي بارد  ؟!

“سألها “شيتهام ” وما تلك الأعمال الوحشية؟ فقالت : ضرب النار على أولادنا وأطفالنا الأبرياء ورجالنا المجردين من السلاح  لمجرد احتجاجهم بالمظاهرات السلمية على منع زعمائنا من السفر لعرض قضيتنا في مؤتمر السلام ”

 

“سألها مرة ثانية : وهل هناك أشياء أخرى فأجابت نعم نحتج على اعتقال زعمائنا ونفيهم إلى مالطة ”

 

وفى تحد استفزازي غريب من نوعه , وبدلاً من احتواء- المعتمد البريطاني – للموقف , زاد الموقف اشتعالاً , وسيطر عليه جنون العظمة وبدء يخاطبها كما يخاطب الأب المتغطرس ابنته, قائلاً :

 

“تلك هي المرة الأخيرة التي نراك فيها تشاركين فى المظاهرات, وإلا سيكون مصيرك الاعتقال, قالت شفيقة : ستروني في كل مظاهرة, وغادرت الغرفة بخطى ثابتة وهى رافعة الرأس والعلم في يدها ”

 

ثم كانت الفاجعة !

 

وفتحت الباب وأغلق الحارس الباب خلفها , ومزق المندوب السامي الاحتجاج  وألقى به في سلة المهملات , وقطع سكون الموقف طلقات الرصاص الغادرة تنهمر على جسد “شفيقة محمد” وتخترقه, فتحولت إلى جثة هامدة مضرجة في دمائها الذكية .

 

وهتفن زميلاتها : “تحيا ضحايا الحرية, في ذمة الله يا شفيقة “.

 

وعقبت رائد الحركة النسائية فى ذلك الوقت “هدى شعرواى” على استشهاد ” شفيقة محمد ” قائلة :

“فلن أنسى الأثر المحزن الذي أحدثه ضرب أول شهيدة مصرية وهى السيدة شفيقة بنت محمد فى نفوس الشعب عامة ، و قد تجلى ذلك فى تشييع جنازتها التي اشتركت فيها كل طبقات الأمة حتى صارت جنازتها مظهراً من مظاهر الوطنية المشتعلة”

 

وهتفن النساء المشاركات في تلك الجنازة التي تحولت إلى مظاهرة شعبية حاشدة :”تحيا ضحايا الحرية ,في ذمة الله يا شفيقة ” معلنات بذلك أن شفيقة لن تكون الأخيرة في قطار شهيدات الحرية والاستقلال, فلحق بها شهيدات أخريات : “حميدة خليل” “سيدة حسن” “عائشة محمد” “عائشة عمر ” وغيرهن .

 

هذه صورة مشرفة لتاريخ نضال سيدة , وقفت في وجه أعلى سلطة بريطانية في مصر في ذلك الوقت , صورة لسيدة من أبطال الظل, أولئك الأبطال الذين لعبوا دورًا كبيراً ولا يسلط عليهم ضوء  أو شعاع, كل ما نالوه فقط هي سطور قليلة في صفحات التاريخ , تلك السطور التي نهملها في الأغلب ,رغم أن خلفها, بطولات عظيمة , لو تعمقنا فيها لتغير وجه كتابة التاريخ , فتحية لتلك المرأة المجهولة في صفحات التاريخ – شفيقة وغيرها- تحية لكل بطل من أبطال الظل الذين لم يناولوا حقوقهم , رغم ما بذلوه من جهد جهيد, لعله يأتي يوم وينتقل هؤلاء من الظل إلى الضوء ومن الخفاء إلى العلن .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد