ما آلت إليه حالة الأمة العربية والإسلامية من وهن وضعف، حتى أصبحت تحصد الأرواح على مرأى ومسمع من الجميع دون أن تحرك ساكنا، يجعل المرء في حيرة وذهول، فالبشرية تخلت عن إنسانيتها، وأظهرت مسخًا فكريًّا وعقليًّا، لا نجد له قرينًا في الكائنات الحية.

حتى ما تقوم به وحوش طبقًا لشريعة الغابة من افتراس وقتل، لا يُقارن بما قام به بنو الإنسان، فمثلا لا نجد حيوانًا يقتل من أجل شهوة القتل أو بُغية إبادة جنس أو نوع من الحيوانات، بل يقتل من أجل أن يوفر الغذاء والطعام، فإن توفر رفع مخالبه وكف أنيابه عن باقي الحيوانات، أما نحن بنو البشر فنقتل رغبة في إرواء شهوة القتل، بالإضافة إلى أن الحيوان – وإن مات جوعًا – لا يقتل حيوانًا من جنسه أو فصيلته، في حين أن الإنسان يرأف بالحيوان، وينعم بقتل الإنسان.

فما الداء الذي أصاب الإنسان فأخرجه من الفطرة الإنسانية والكونية؟

ما هذا الداء الذي نجا منه الحيوان، فلم نر في تاريخ الحيوانات إبادة لجنس أو فصيل من الحيوانات بأنياب حيوان آخر؟

ما هذا الداء الذي حط من رتبة الإنسان إلى رتبة الحيوان بل أدنى من الحيوان؟

«أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا» (الفرقان: 44)

لا يوجد داء ولا مرض ولا معصية ولا ذنب أعظم من داء الحسد، ذلك الداء الذي كان منشأ أول معصية في الكون حين أمر الله تعالى إبليس بالسجود فأبى واستكبر حسدًا وحقدًا «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ* قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ*قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ*وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ» (ص: 75-78)

فانظر إلى إبليس وما سولت له نفسه إذ لم ينظر إلى الخالق ونظر إلى المخلوق، فالله تعالى يقوله له (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) فنسي إبليس وتناسى الصانع حسدًا وغيرة من المصنوع، كما قال الله تعالى له: «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» (الأعراف: 12) فتجاهل الأمر الإلهي وقارن بينه وبين المخلوق، فبدلا من أن يقول الذي منعني من السجود أني مخلوق من نار وهو مخلوق من طين، قال: أنا خير منه (هو) أنا مخلوق من نار و(هو) مخلوق من طين.

تلك المعصية الجلية الخفية التي كانت وما زالت العامل الرئيسي في القتل وسفك الدماء، منذ الخليقة حتى اليوم، يُعرض أبو جهل عن الإسلام حسدًا على بني مناف فقال كلمته المشهورة تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.

وذات المعصية هي التي جعلت أهل الكتاب لا يؤمنون بالنبي العربي «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» (البقرة: 109) وقال عز من قائل: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرة: 146).

والحسد نفسه الذي دفع حيي بن أخطب أن يناصب النبي العداوة فقد أصابه هو وأخاه الغم والهم عندما علما بقدوم النبي عليه السلام إلى المدينة فيسأله أخوه ياسر:

أهو هو؟ فيجيبه قائلًا ومؤكدًا: نعم والله. فيعيد السؤال ياسر لعل: أتعرفه وتُثبته؟ فيجيبه حيي باقتضاب من شدة الغل والحسد: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت.

إذن القضية ليست في أنه جاء بما يخالف عقيدتهم وينقض شريعتهم، بل القضية في الحسد والحقد الدفين، الذي يعمي الأبصار والقلوب.

الحسد هو المعصية التي فرقت جماعة المسلمين فجعلتهم أحزابًا وطوائف، تشارك بخنجر الحسد والحقد بسفك دماء المسلمين.

هذه المعصية التي جعلت أحزابًا وجماعة تدعى العمل للإسلام تتحالف مع أعداء الإسلام نكاية في جماعة أخرى تعمل للإسلام، فنرى من يلمزها قولًا وعملًا فيقول هي جماعة محظوظة لا محظورة، وآخر يقول لو تحدث لأوجعتهم.

جماعات تترك الأمر الإلهي (إذ أمرتك) بعدم الركون للظالمين «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» (هود: 113) وتتحول إلى مساندة الظالم نكاية في المظلوم وحسدًا له، ينسون عوامل الهزيمة ويدعون الصبر من أجل النصر «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون» (هود: 113) فلقد كانوا – ولا زالوا – شركاء في الهزيمة وسفك الدماء بركونهم ومساندتهم للظالمين والطغاة، وبمعصيتهم الكبرى الحسد والغيرة من فئة جعلت شعارها: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل.

فالحسد لا غيره يعمي النفوس والقلوب، فتلوم الضعيف والمظلوم بدلا من أن تقف في وجه الظالم، تبحث عن مبررات واهية وحجج بالية لتقنع نفسها ومن على شاكلتهم بالظلم والاستبداد، ينقبون في العقائد وأعمال القلوب ليعلنوا أن هذه الجماعة عقيدتها فاسدة أو مبتدعة ونسوا أو تناسوا أن نصرة المظلوم لا علاقة لها بمسلم أو كافر، ولا بمؤمن ولا فاجر فقد نصر النبي صلى الله عليه وسلم الإراشي على أبي جهل رغم العداوة التي بينه وبين أبي جهل، ولم يقل هذا مشرك وذلك كافر، أو طلب منه أن يدخل في دينه أو يؤمن بعقيدته حتى ينصره، لا والله إنه لنصره ثم قال له: اِلْحَقْ بشأنك.

ما عاتب النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين الذي تخلوا عن مواقعهم، وقصروا في أداء مسئوليتهم في أحد مما ترتب عليه هزيمة المسلمين واستشهاد سبعين من خيرة الصحابة منهم عم النبي، حمزة بن عبد المطلب، لم يجعل من الهزيمة التقصير في المسئولية مبررًا للتخلي عن نصرة الحق.

فعجبًا كل العجب لهؤلاء الدعاة أصحاب اللحوم المسمومة، وهؤلاء الشيوخ المربين الذين تخلوا عن كل مبادئهم دَفعة واحدة فأحلوا الدخول في الانتخابات بعدما كانت محرمة شرعًا، لأنه لا حكم إلا حكم الله – كما زعموا – وأباحوا لأنفسهم دخول البرلمانات مع أنها تشرع من دون الله – كما قالوا – وتحالفوا مع العلمانيين والنصارى مع أنه لا تجوز تهنئتهم لأنها موالاة وإقرار بعقيدتهم الفاسدة كما يرددون صباح مساء، وأجازوا الخروج على الحاكم المنتخب مع أن الخروج على الحاكم لا يجوز عندهم وإن جلد ظهرك وأخذ مالك.

فقد ذهبت مبادئهم وعقائدهم عندما هبت رياح الحسد والحقد على جماعة نختلف معها ونتفق، لكن لا نستطيع أن ننكر أن الدماء التي سفكت ظلمًا وعدوانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذنب
عرض التعليقات
تحميل المزيد