”هل تساءلت يومًا عن مصدر أحلامك؟ انظر حولك، هنا تصنع الأحلام”

فيلم Hugo – 2011

 

في البدء كانت الصور ثابتة، تساءل بعضهم ماذا لو تحركت؟ كانت هناك عدة محاولات في أواخر القرن التاسع عشر، توماس أديسون في الولايات المتحدة، روبرت بول و بيرت إيكرز في إنجلترا، الأخوان كلاوناوسكي في ألمانيا، لكن السينماتوجراف من اختراع الأخوين جوستاف و لويس لوميير هو من سيقدر له النجاح.

 

كاميرا صغيرة الحجم وتعمل كجهاز عرض أيضًا، تعرض على شاشة كبيرة، على عكس نظام أديسون الذي لا يستطيع أن يرى الصور المتحركة إلا شخص واحد ينظر من خلال الجهاز، سينماتوجراف الأخوين لوميير أكثر بساطة وأكثر إذهالاً وإمتاعًا.

 

قاما بأول عرض في ( لاجراند كافيه) بباريس في ديسمبر عام 1895، الجمهور ملأ بالكاد ثلث القاعة، وكان الأخوان قد وجها دعوة للصحافة لحضور العرض الأول لاختراعهم لكن لم يلبها أحد، العرض كان بسيطـًا، لقطات لعمال يغادرون مصنع، أو لقطار يصل المحطة، لكنه سحر الجمهور، الأنوار والظلال الشبحية على ملاءة بيضاء كانت كالخيال، أشبه بحلم.

 

في الأيام التالية توافد الآلاف لرؤية هذا الاختراع العجيب، وطاف الأخوان عدة بلدان لتقديمه، انبهر الجميع، لكن بدأ هذا الانبهار بالخفوت، عرض مشاهد الحياة العادية لم يعد مسليًا، كان يجب أن تكون هناك قصة مشوقة فكان ” جورج ميلييه” هذا الساحر الفرنسي الفضولي الذي حضر أولى عروض لوميير، علم على الفور أنه يمكنه تقديم شيء مميز بواسطة السينماتوجراف، تحولت السينما على يده إلى مسرح للأحلام.

 

رجال يصعدون إلى القمر، فئران تتحول إلى رجال، تنانين، أميرات، أشباح، قال مدير شركة باتيه الفرنسية للإنتاج السينمائي فيما بعد لجورج ميلييه: ”بفضلك أنت استطاعت السينما أن تستمر وأن تحافظ على وجودها وأن تصيب نجاحًا لا مثيل له، فاستخدامك للمسرح وموضوعاته المتنوعة في السينما قد منعها من السقوط، وكان من الممكن أن يحدث هذا وبسرعة لو أن السينما استمرت في تصوير موضوعات الهواء الطلق التي سرعان ما يتعب منها الجمهور ويملها”.


فيلم رحلة إلى القمر لجورج ميلييه

على الجانب الآخر من القنال الإنجليزي كان هناك ساحر آخر يدعى جورج أيضًا، جورج ألبرت سميث، لم يكن إنجازه الحقيقي في مجال الخدع السينمائية كقرينه الفرنسي، لكنه خطا أولى خطوات اللغة السينمائية، اللقطات المقربة ”close up”، زوايا التصوير العكسية “reverse angle”، استخدام الكاميرا لتكون كعين أحد أبطال الفيلم وترى من وجهة نظره وليست كمراقب من بعيد، وبالتالي استخدام عدة لقطات للمشهد الواحد وظهور أولى تقنيات المونتاج.

 

مع إرساء القواعد الأولى للسينما تحركت في جميع الاتجاهات على يد الرواد الأوائل، المهرجون الصامتون مثل ماكس لندر وشارلي شابلن وهارولد لويدوباستركيتون كانوا أشهر رجال زمنهم وساهموا في خلق شعبية السينما وجعلها الفن المحبب والأقرب للجميع بواسطة الكوميديا، في المقابل الدنماركي كارل درير صنع في فيلمه “آلام جان دارك” سينما مغلفة بالألم.


فيلم Sherlock Jr لباستركيتون، جوهرة التاج للسينما الصامتة

تخطت السينما كونها وسيلة للتسلية إلى وسيلة للتعبير عن الأفكار ومجال خصب للإبداع، كانت أرضها ما زالت بكرًا وتكتشف إمكاناتها الكامنة كل يوم، فبعيدًا عن الأفلام الروائية جاءت أفلام تسجيلية مثل “Nanookof the north” عام 1922، الفيلم يتتبع حياة أسرة تعيش بالقطب الشمالي وطرق حياتها، وفيلم “the man with a movie camera” أحد أفضل الأفلام التسجيلية على الإطلاق، ويرصد بمهارة ولغة سينمائية فريدة الحياة وتفاصيلها بإحدى المدن الروسية.

 

كذلك ظهرت عدة مدارس سينمائية مميزة مثل “الانطباعية ” في فرنسا ومخرجون مثل أبيل جانس، “التعبيرية في ألمانيا” ومخرجون مثل فريتزلانج ومانورو، السوريالية على يد لويس بونويل وسلفادور دالي، والمخرجين السوفييت مثل سيرجي إيزنشتين وبودوفكين وفيرتوف.


فيلم “عيادة دكتور كاليجاري” أحد أبرز أمثلة المدرسة التعبيرية.

مشهد سلالم الأوديسا الشهير من فيلم “المدرعة بوتمكين” إخراج سيرجي إيزنشتين.

فيلم”الكلب الأندلسي” للويس بونويل وسلفادور دالي.

”نيمو الصغير” أول أفلام الرسوم المتحركة.

السينما في بر المحروسة

أول عرض سينمائي في مصر كان بالإسكندرية بعد أسابيع قليلة من العرض الأول بباريس، تلك المدينة الكوزموبوليتية لم تكن بعيدة عما يجري في العالم، الأخوة لوميير قاموا بتصوير عدة مشاهد من الحياة المصرية مثل التالي

 

أول فيلم روائي مصري كان لمحمد بيومي الذي درس فنون السينما بالنمسا، فبعد عدة أفلام تسجيلية قصيرة قام بإخراج الفيلم الروائي القصير “برسوم يبحث عن وظيفة” عام 1923.

 

أما أول فيلم روائي طويل فكان فيلم ” ليلى” عام 1927 من إخراج وداد عرفي وبطولة عزيزة أمير، الفيلم تعثر إنتاجه، كان من المفترض أن ينتجه أحمد الشريعي زوج عزيزة أمير لكن أسرته قامت بالحجر على أمواله لأنه ” ينفقها في ما لا طائل منه” أي السينما، فتبرعت الراقصة ”بمبة كشر” بمصاغها لإنتاج الفيلم، تلاه عدة أفلام مثل فاجعة في الهرم بطولة فاطمة رشدي، غادة الصحراء بطولة آسيا (التي ستصبح أحد أهم المنتجين في تاريخ السينما المصرية) وفيلم زينة بطولة بهيجة حافظ، يلاحظ أن السينما المصرية في بداياتها كانت نسائية بشكل كبير.

 

فيلم ”برسوم يبحث عن وظيفة”، أول فيلم مصري.

“مشمش أفندي”، أول فيلم رسوم متحركة مصري.

تلك هي الخطوات الأولى في رحلة الفن السابع وأولى فصول حكايته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد