دائما ما يكون التنظير لفكرة ما مختلفًا عن تطبيق تلك النظرية… هذا أمر نقوله كثيرًا لكن تطبيقاته أكثر مما نتخيل.

فعند حدوث أي تغير ملحوظ في المجتمع أو مظهره أو ما يؤمن به، يكون هناك أولًا تغيير في الأفكار بشكل حاد يقوده بعض من النخبة** الفكرية الموجودة في هذا المجتمع، يسوقون مبرراتهم لما يفعلون، قد تكون تلك المبررات فعلا صحيحة أو لا تكون، ولكن تلك المبررات تكون مقنعة لعامة الناس ويتبنونها لثقتهم في تلك النخبة… فيكون هناك منتجون للأفكار وآخرون معتنقوها ومتبعوها… وبعد فترة من مرور الوقت على تطبيق الناس تلك الفكرة، تفقد الفكرة رونقها الأول وبهجتها وبتكرارها يكون الأمر أكثر روتينية ومللًا، أكثر بُعدًا عن المعين الأساسي الذي ظهرت منه تلك الفكرة/ التغيير وتدخل عليها عوامل كثيرة تُغيرها (غالبًا لا تؤخذ تلك التغييرات أو المستجدات بعين الجد لمن وضع تلك الفكرة أو لمن طبقها… ويظل يردد – دون إدراك للمستجدات – القناعات القديمة التي صاحبت ظهور تلك الفكرة والتي أصبحت بعد التطبيق غير صحيحة تمامًا…

ورد المعنى السابق بخاطري حينما قرأت كلام فتاة تنتقد الديباجات القديمة التي تُساق عندما تُسأل عن الحجاب خاصة أنها تعيش في دولة غربية.. ما كان يقال نوعًا ما غريب ويعود لأصل فكري غاية في الاستعلاء السلبي*… ففعلا لا يسقط الشباب أمام غير المحجبة ويصابون بالسعار للوهلة الأولى، وهناك منظومات أخلاقية جيدة  تحكم مجتمعات بأكملها لا يوجد فيها حجاب قد لا تكون مثيلتها الأخلاقية متواجدة عند مجتمعات تتمسك بعض/ معظم/ كل فتياته بالحجاب… الأمر إذن تم تفسيره ثم زرعه في النفوس بشكل خاطئ تمامًا… وسرنا نتعامل بتلك الفكرة المنقوصة دائمًا دون فهم… ونتج عنه خلل كبير في النفسيات.

ولكن، ألا يمكننا تطبيق القاعدة السابقة على الحجاب نفسه، ويمكننا اعتباره من الأفكار التي ظهرت بشكل فجائي مع ظهور الإسلام/ الصحوة الإسلامية فيما بعد لاحقًا، ويُطبق عليه هذا الأمر أننا لابد من مراجعة تلك النظريات كل حين؟ لا أريد للقارئ أن يقع يخلص بين المطلق والنسبي في الأفكار، المفروض علينا كمسلمين مفروض من قِبَل الله عز وجل، وبالمناسبة الفروض جاءت بأقل القدر من التضييقات ولم تأت التفاصيل إلا في أمور أساسية جدًا جدًا جدًا بل وتُرك العرف السليم ليكون مما نأخذ به…

ما ينبغي مراجعته هي الأسباب والتفصيلات التي ينبغي أن تُشرح للمسلمة لترتدي الحجاب في ظل هذا المجتمع المفتوح، لتكون أكثر اتساقًا معه ومع العالم ولا تستشعر دائمًا أنها في حرب ضروس ضده لأن تلك النفسية ليست سوية بأي حال، فهي تجعل دائمًا هناك تحفزًا غير سوي في التعامل، ويجعل هناك أكثر رحمة – دون تميع – في التعامل مع المخطئ، هذا ما يجب أن نعدله في فهمنا لتطبيق أوامر الله عز وجل… لا أن نهدم الحجاب نفسه بحجة أنه لم يعد متناسبًا مع المجتمع.

ومع ذلك ولابد من الاعتراف، أن ممارسة العبادات بعد فترة ما يتحول الأمر عند من يمارسها لعادة… خاصة إن كانت ذات سمت متكرر، فالصلاة والحجاب وبعض السنن*** النقاب أو اللحية في بعض المجتمعات أصبحت عادة اجتماعية لها أصل ديني أكثر منها تمارس لإدراك واستشعار أوامر الله منها، وهذا ما رأيته بعيني. إذن، ربما كان دأب الأشياء الاعتياد ولكن مع ذلك لا ينبغي فرض تلك الأمور خاصة السنن منها، حتى تكون مجالًا لتتباين أفكار الناس دائمًا ومن يرتديه يكون عن فهم ولاستشعار تنفيذ أوامر الله عز وجل، لا يكون مجرد عادة تخفي جهلًا أو ضيقًا به. حرية تنفيذ العبادة في رأيي المتواضع والفلسفي أفضل من الإجبار بدون فهم أو مجرد طاعة للعادات والتقاليد وترصد الفرص للهروب من أسرها.

بخلاف الحجاب (أو القضايا التشريعية عمومًا) يمكننا تتبع تلك القاعدة (نسيان أصل النظرية بعد التطبيق بفترة) في مناحٍ كثيرة من حياتنا ويظهر بشكل أبسط:-

*نُقبل على العمل بعد التخرج بحماس متقد ثم نفقده تدريجيًا ويتحول الأمر لروتين يومي لا فكاك منه للمسؤوليات أو لأن الفراغ قاتل.

* ندخل مرحلة الحب والزواج ثم نفاجأ بعد الزواج برتابة الحياة بشكل ممل وإن لم يتم تدارك الأمر يصاب الكثير بالانفصال المبكر.

* تتحمس بعض الفتيات لمرحلة الأمومة كثيرًا ولكنها تفاجأ بأعبائها فيما بعد وتتغير نفسيتها كثيرًا ومن لا تدرك الأمر قد تصاب باكتئاب حقيقي مدمر.

الخلاصة أنه يحدث انحراف كبير أو صغير عن النظرية عند تطبيقها، قد يكون واضعو النظرية غير من يطبقونها وهنا يحدث الانحراف الأكبر، وقد تستجد أمور لا تؤخذ في الحسبان…

  • القضايا العقائدية: لا تُهدم ولكن يتم الرجوع للمعين الصحيح لتنفيذ أوامر الله بدون تنطع أو أسباب تجعل النفسيات سيئة.
  • القضايا الكبرى: (لم أتناولها لطول المقال) مثل الرأسمالية والليبرالية الجديدة وبقية تلك النظريات لابد من مراجعة أثرها على الواقع وكيف حاد التطبيق عن النظرية، أو كيف كانت هناك عناصر تدميرية من بنية النظرية ولكن لم تذكر أو تم تجاهلها.
  • القضايا الصغرى: وهي الممارسات اليومية للأفراد، لابد من تذكير أنفسنا بالهدف الذي نعيش له كي لا نضيع في التفاصيل وتستهلكنا دون جدوى. تقديم النية (الفهم) عمومًا في كل ما نفعل يجعلنا نستشعر الدهشة الأولى فيما نفعله كأنها هي المرة الأولى وليست مجرد تكرار روتيني له نفعله بشكل آلي دون وعي.

    _____________________________________________________________________________________________

هامش:

*هناك نوعان من الاستعلاء؛ استعلاء إيجابي مطلوب لإعمار الكون ولإعطاء دفعة لإعمار الكون، فطبيعي أن يطلب الجميع الأفضل من كل شيء ويحاول أن يحصل على مكانة أعلى، يختار السكن في المكان الأفضل والتعليم الأفضل والملابس الأفضل (حسب إمكانياته) ويحاول تطوير نفسه دائمًا ويختار طريقًا يحسبه صوابًا مع الاعتراف بأهلية الآخرين في اختيار طريقهم… أما *الاستعلاء السلبي هو من يحتقر الآخر المختلف عنه ويرى نفسه على صواب طوال الخط دون أن يسعى لتطوير نفسه… فيكفي أنه ينتمي لما ينتمي إليه (دون بذل مجهود دائمًا للحفاظ على مكانته) ليكون أفضل من الجميع… هو لا يسعى لتطوير نفسه وأن يعترف بأخطائه التي هي موجودة لأنه ما زال من البشر بقدر سعيه لإثبات أن الآخرين على خطأ دائمًا.

** النخبة ليست مصطلح سُبة كما شاع استخدامه في مجتمعنا لفساد فاقد كل شيء، ولكن بديهي أن أي مجتمع حي لديه نخبته في كل المجالات تقوده وتعرض عليه الأفكار، والمرء قد يكون نخبة في مجاله ولكنه من الجماهير في مجال آخر… وبتقدم الزمن تأتي نخبة أكثر شبابًا لتنتقد ما شبوا ووجدوا أنفسهم عليه وتضع نظريات جديدة لتتلافى أخطاء الماضي ولتكون أكثر ملاءمة لتغير العصر، وتأتي بالأفضل ويكون لها عيوبها وهكذا..

*** هذا ما أؤمن به وليس مجالًا للنقاش لدي من قبل المترصدين.

المقال المذكور هو مقال آلاء حمدان المكتوب بمناسبة اليوم العالمي للحجاب: لستِ لؤلؤة مكنونة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد