حين كنا صغارًا ونتشاجر أثناء اللعب وتمتلئ الرئات الصغيرة غيظًا من إخراج الأولاد ألسنتهم لنا وتتحول الأصوات الطفولية الغاضبة إلى ضرب ينتهي إلى مدير المدرسة وعقاب أمام الطابور، كانت تلك المشاعر الفائرة بالغضب حقيقة كاملة حتى إننا يمكننا لمسها من شدة وهجها، أتدري ما يحدث حين يبتسم لك طفل ويريد اللعب معك؟، إن قلبه يصدقه وعينه ووجهه ولغة جسده، هو فعلًا يحبك ويقر بذلك.

وبعد مرور السنوات ذقنا خبرة الحياة ودفعنا لها وأقطرت علينا من المعرفة غير عابئة بعظم ما سقناه إليها لنفهم ونعرف، أصبحنا نمتلك مشاعر منقسمة حائرة أحدها نجذبه بكامل قوانا إلى الداخل حتى لا يظهر وأخرى ندفعها بشدة ضاغطين على عضلات الوجه وما يفضحه الجسد حتى نعبر عن حالة معينة ليست فينا.

ما زالت الأصوات الطفولية حقيقية كامنة في الإنسان ولكنه يأبى ظهورها، واعتلاله النفسي ناجم عن محاولات قمعها، تدفعه ويدفعها حتى تتكون موجة التلاطم التي لا نهاية لها محدثةً صراعًا يؤدي إلى تصرفاته وأفعاله باعتبارها نتيجة، ولا أي قرع يخبر عن انتهاء الجولة في تلك الحرب.

وتتداخل الأصوات في نفس الإنسان وتتخلل بعضها حتى تكوِّن عقدًا بين ما هو مرغوب وما يجب عليه فعله، بين ما اعتاد عليه وما يريد أن يغيّره، بين ما يراه وما يريد أن يراه، هذا هو الإنسان.

أكذوبة وحقيقة، يتمنى وينفذ ما ينفي هذه الأمنية، وتبكي عينه إذا تذكر، ويقول: إذا عاد بي الزمن لفعلت كذا وكذا، ولكنه تأقلم على حياة لم يخترها أو سياق سار فيه لأنه يجب أن يؤديه لا لأنه يريده.

لذا إذا أردت أن تعرف كم مرة صدق أو كذب شخص ما فانظر إلى تضاريس وجهه وما بين عينيه وابتسامته ونقاء نظرته، والسؤال المهم هنا: لماذا يطوّع الإنسان نفسه على إظهار المحبة لمن يكرههم؟ ويقول كلامًا غير مقتنع به؟ ويجامل فلانًا ويبتسم له في حين أنه يتمنى لو يصفعه ويتحرر من ربقة سجنه الضاغط على صدره؟!

الكذب هو ذلك السجن الذي أصبح إطارًا عامًا لا نستطيع الخروج من حيزه، وإذا لم تكن قادرًا على التحدث بلغته أصبحت غير ملمًا بخطوط التواصل بين الناس، ولهذا من يتصرف على سجيته ويظهر الكراهية وينطق بالكلمات بلا مجاملة يعتبرونه طفلًا ساذجًا غير مسئول لأنه لم يقمع صراحته ويقيدها إلى الداخل.

وعاشت الكذبة حتى أصبحت واقعًا نعيش فيه ويعيش فينا، سرت في الماء الذي نشربه فدخلت إلى نفوسنا، وجرت في أجسادنا مع الدم وتمكنت من كل خلية منا فبُني عليها خلايا جديدة غيرت ملامحنا وألوان قلوبنا، فاحت في الجو حتى غشيت أبصارنا، ودخلت مع الهواء إلى أنفاسنا لهثاتنا، أنيننا، صرخاتنا، ومع تنفسنا إياها أصبحت هي الشهيق الذي لا نعيش بدونه وشكلت معه معنى الفرح والحزن بداخلنا .

أصبحت تسير بين أرجلنا تسعى تهرول تجري، ونتنحى جانبًا لها لتستطيع الجري دون توقف، ولكننا لم نكن نعلم أبدًا أن بيديها خيوطًا وخيوطًا كثيرة مربوطة في كل واحد منا في نفسه، عينه، جسده، فأخذت الخيوط وجرت وجرينا معها فلا نقدر على اختيار طريق آخر وكل شيء مربوط بها.

وولد أولادنا في الكذبة وعشنا جميعًا حياتنا بها ومرت الأيام معها، ومنا من مات لأجلها والقادمون لها أكثر وأكثر.

حتى إذا وجدنا من هو مختلف لا يرتبط بخيوطنا نبذناه واستغربنا أفعاله وصفاته بل واحتقرناه فعاش غريبًا ضائعًا مهانًا، إنه لا يسير معنا ولا يرى ما نرى ولا يهدف إلى ما نهدف إليه، هو في الاتجاه الآخر المظلم هو في الضياع لا يلتفت إليه إنسان.

حتى إذا ما قطعت كل الحبال والخيوط اصطدمنا ببعضنا البعض ووقعنا ووقعت معنا الواقعة، إنها الكارثة الكبرى لقد انفكت عنا خيوطنا التي كانت تربطنا ولا نعرف لماذا تقطعت بل لا نرى أول الخيط، وتهاوت أجسادنا بعد السقوط وأصبحت أدمغتنا عند قدميه، قدمي الغريب الضائع الذي لا يهتم به أحد.

وهذا هو النضوج الحقيقي، فالكبير حقًا هو الماهر في تحديد الخطوط الرفيعة بين الأشياء ويتصرف على أساسها، الكبير هو من يخبرك أنه لا يريد صداقتك باحترام، هو من يظهر مشاعره الحقيقية ويستقوي بها، هو من لا يقبل على نفسه التلوث بالكذب، هو من يصارع بلا تلون ولا مداهنة، هو من يتخذ موقفًا ويكون جريئًا على الاعتراف به حتى النهاية، هو من لا تضطر إلى تحليل كلامه وتصرفاته أكثر من مرة حتى تعرف ما يريد.

الكبير هو من يملك القدرة على حسم الأمور ولا يضيع وقته ووقتك في مجاملات فارغة ويتشكل ليعطيك صورة مغايرة لواقعه، نعم لا بد أن نتحكم في عواطفنا ولا ندع الكراهية أو الحب يحكمنا أو المصالح أو النفور أو الرغبة أو أي فكرة عابرة كانت أو متأصلة في نفوسنا، ولكن على الأقل ينبغي ألا نكون مزيفين إلى هذا الحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد