من منا لا يعلم من هو يوسف السباعي الذي امتلأت السينما المصرية بأعماله، واشتهرت رواياته وقصصه التي تصف العلاقات الاجتماعية وعلاقات الحب حتى عرف بفارس الرومانسية، قرأت مجموعة لا بأس بها من أعمال يوسف السباعي، ورغم كون أغلبهم يدورون حول نفس الأفكار، وهي رجل، وامرأة، وحب، إلا أن أعماله لها مذاق مختلف في كل مرة لأنه يتفرد بالشخصة ويعطيها ما يجعلها متكاملة ومختلفة مثل أي إنسان فلا نشعر بالملل ولا تكرار.

كانت لدى ملاحظة صغيرة منذ عدة أشهر، ولكن أخذت في الانتشار في عقلي، وبدأت حيت اطلعت على أحد مؤلفات يوسف السباعي، ووجدت أن أول أعماله هى رواية (نائب عزرائيل) نشرت عام 1947، ثم مجموعة قصصية، ثم ثاني أعماله الروائية (أرض النفاق) عام 1949، ثم توالت باقي أعماله وأغلبها بطابع الرومانسية والاجتماعية، كانت هذه الملاحظة تمر على عقلي سريعًا، لولا فكرتين.

الأولى علمي أن هذين العملين مختلفان تمامًا عن باقي الأعمال، فالنائب عزرائيل وأرض النفاق في قالب اجتماعي، ولكن الفكرة الكلية في نطاق الخيال العلمي وكامل الحبكة كذلك، ولكن لم يكن هذا هو الاختلاف الوحيد، كل من العملين هجوميين، وخاصة نائب عزرائيل، التي استخدمت أيقونات دينية، وسخرت بشدة من أغلب معتقدات الشعب المصري في هذا الوقت، عكس باقي أعمال السباعي التي تسلط الضوء على قصة ما، وتناقشها في إطار الشخصيات.

أما الفكرة الثانية فهى قوة العملين من حيث اللغة والحبكة والحوار وكل شيء.

أتذكر أن نائب عزرائيل كانت أول رواية أقرأها ليوسف السباعي، واعترتني الدهشة أن يمتلك الأدب العربي مثل هذه الرواية التهكمية القوية والمتمكنة في اللغة بشكل كبير، والآن بعد عدة سنوات ومعرفة أنها كانت العمل الأول، فأنا أعلم تمامًا أن الرواية لم تأخذ نصيبها من النجاح والانتشار على الأقل مثل رواية أرض النفاق بعد تحويلها لفيلم، ولكن ما زالت أعماله الرومانسية هي المتصدرة الأولى.

كان أول ما وصل إلى ذهني عند استعراض أعمال يوسف السباعي إمكانيةأن يوسف السباعي رأى ان الأعمال الرومانسية هي التي أوصلته إلى الجمهور أكثر من الأعمال النفسية التي لم تكن مشهورة، أو أعمال الخيال العلمي التي غالبًا سوف يتم انتقادها بسبب النزعة الدينية، وبعد تفكير أظن أن القارئ هو السبب، وليس يوسف السباعي.

إنه الذوق العام ببساطة، الجمهور الذى يتلقى الأعمال الأدبية هو من يحكم بالنجاح أو الفشل والانتشار أو الاختفاء، وهذا طبعًا ليس معيارًا للجودة فهناك مئات الأعمال البعيدة عن الشهرة، ولكن يمكنها منافسة الأفضل، ولكن عندما يتعلق الأمر بالجمهور، فيتعلق هذا بثقافة الجمهور ومدى تقبله لأفكار جديدة أو حتى أفكار صادمة تناقضه. لهذا لم يكن من الممكن لرواية تصور أيقونات دينية أن تنجح وتنجو من النقد الشنيع من الجمهور قبل النقاد.

وإن كنت تظن أن الأمر بهذه البساطة، ومتوقف على أعمال كاتب ما منذ 70 عامًا، فأنت مخطئ وبإمكانك تذكر نمط الأفلام منذ بداية السينما المصرية المعتمدة على نفس الأفكار المكررة مثل الزواج والحب وقصة درامية لعائلة طويلة أو معانة اجتماعية.

ربما يمكننا إعطاء بعض الأعذار للسينما القديمة بسبب عدم تقدم أدوات التصوير، أو بساطة الإمكانات المادية، ولكن الآن حيث ننفق الملايين على ميزانية السينما لازالت الأعمال المسيطرة على الساحة هي القصص الدرامية والرومانسية، بينما تزخر السينما العالمية بأفلام الخيال العلمي، وأفلام الذكاء، وأفلام أخرى تتناول قضاية اجتماعية، ولكن بشكل حيوي نفسي مختلف عما نراه في السينما العربية.

إذًا هذا يجعل الموضوع بسيطًا إذا كان الذوق العام يميل إلى القصص العائلية وقصص الحب بدلًا عن مغامرة فانتازية على سبيل المثال، لهذا لا تكمل كل الأعمال الأدبية طريقها إلى القراء طالما أن الأغلب غير متهم بقراءة شيء جديد، لكن لم الأعمال الدرامية التي تتميز بقصة مليئة بالبكاء، ومأساة قوية دون غيرها هي الرائجة في المجتمعات العربية؟

اكتشفت عدة إجابات لانتشار هذه النوعية مثل الثقافة البسيطة لأغلب الشعب، والذي يسعى لقصة مترابطة قريبة من واقعه والسلام، ولكن أظرف فكرة قرأتها عن الذوق العام والتي أرى أنها تلخص كثيرًا كانت في تعليق على أحد المسلسلات التي أحدثت شهرة واسعة من عدة أشهر، وتتلخص في أن شعوبنا ترى التسلية عن همومها وشقائها في رؤية كوارث الناس والشفقة عليهم وأحيانًا جلدهم من خلال التلذذ بتفسير أقوالهم وأفعالهم والتندر بها، أي أننا ببساطة نرى طريقة شرعية لإلقاء غضبنا من المجتمع على مسلسل أو فيلم، وأحيانًا أيضًا هي طريقة جيدة للنميمة بدون رقيب بما أن الشخصيات غير حقيقية، ولا ترتكب إلا الأخطاء والوقوع في الحب، وغالبًا لدينا وقت طويل للتخلص من هذا الكم الكبير من الأعمال الأدبية والأفلام والمسلسلات التي تدور في نفس النطاق الدرامي لأن الموضوع لم يعد تغيير للأدب أو السينما، بل تغير عقلية الجمهور الذي سوف يستقبل هذ الأعمال أولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد