دخلتُ في نقاش مع أحد الأصدقاء حول موضوع الفطرة وكوْنها المسبب الأول والرئيس – للمؤمن وغير المؤمن – في نزعته لفعل الخير وحب الجمال واستحسان الطيِّب من كل شيء، وأن هذه الفطرة هي من الله عز وجل أودعها في جميع البشر دون استثناءٍ وتمييز. فسألني ومن يحدد هذه الفطرة، وما هي طبيعتها وشكلها والغاية من وجودها، وأين تأخذ موقعها في الجسد، وما الدليل على وجودها.

فقلتُ:

أولًا: الفطرة في اللغة

جاء في معجم المعاني: الفِطْرَة: الْخِلقة التي يكون عليها كل موجود أَوّلَ خَلْقِه، وهي الطبيعة السليمة لم تُشَب بعَيْب. والفِطرة السليمة (في اصطلاح الفلاسفة): استعدادٌ لإصابة الحكم والتمييز بين الحق والباطل.

وفطَر الشَّيءَ: اخترعه، أوجده، أنشأه. وقال الراغب الأصفهاني في كتاب المفردات: المعنى بقوله: «فَطْرَ الله الخلق: هو إيجادُه الشيءَ وإبداعُه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال».

فهي صِبغةٌ غير ماديّة، لا تُرى ولا تقاس بالعين المجردة والحس الملموس، مُدركةٌ بالنفس والقلب، ويستدلُّ عليها بالعقل السليم والفكر القويم.

ومن جُملةِ ما يدخل في هذا المكون الفطري الغرائز، ونزعة الإنسان الأخلاقية لاستحسان الخير وبغض الشر والنفور عن كلِّ قبيحٍ وخبيث، والإرادة الحرة، والبدهيات العقلية الأولية.

ثانيًا: ماهيةُ المكوّن الفطري وطبيعته

وردت كلمة الفطرة في القرأن الكريم في موضعٍ واحد في قوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».

قال الدكتور محمد راتب النابلسي في تفسيرهِ لهذهِ الآية: أن تُقيم وجهك للدين حنيفًا هذا نفسه ما جُبِلْت عليه وبُرمِجت عليه وفُطِرت عليه. أنت مبرمجٌ على خصائص الفِطرة، وهذه الفطرة متطابقة مع أحكام الدين تطابقًا تامًا، فأيُّ شيٍ في الدين فيه أمر، فالله قد جعلك على راحةٍ في تطبيقه، وأيُّ شيٍء نُهيت عنه فطرَكَ على كراهيتهِ.

وجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحهِ قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة». فالبشر جميعهم يولدون على هذه الفطرة، إلا أن هذا لا يعني أن كل مولودٍ يولد على الإسلام عارفًا بالله مقرًا بألوهيتهِ ووحدانيته. وقد دلّ الله تعالى على ذلك في قولهِ: «وَاللهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمهاتِكم لا تَعلَمُون شيئًا». إنما وجود الفطرة تقتضي أن الإنسان مهيأٌ للإقرار بوجود ربٍ له يعبده ويؤوب إليه، وهي معرضة كما يتعرض الجسد للكدمات والإصابات، للتغيير والتبديل والفساد.

ثالثًا: ضرورية الفطرة

قال تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ». خلقنا الله في أحسن صورة وأفضلها، ظاهرًا وباطنًا، ومن كمال خلقهِ عز وجل أن أودع فينا هذا المكوّن الفطريّ، الشبيه بالمرشد والمعلِّم، فيدلِّنا على معرفة الخير من الشر والحق من الباطل والفضيلة من الخطيئة والعدل من الظلم، وبها يتحصّل لنا تفسير هذه القيم وتعليل وجودها تعليلًا منطقيًا يقبله العقل وترتضيه النفس.

وبها نعرف البدهيات والمبادئ العقلية، ومثال ذلك أن لكل حادثِ مُحدثِ ولكل سببِ مسبب، والجزء أصغر من الكل، وعدم اجتماع النقيضين في اللحظة الواحدة. وبها نفهم الغرائز ونفسِّرُها وفي ذلك قولٌ للأستاذ عبد الله العجيري حولها – الغرائز – يقول: «هي دائرةٌ أوسع من القيم الأخلاقيّة. ومن التمثيلاتِ عليها: من الذي هدى الطفل لالتقام ثدي الأم والارتضاع، ومن الذي أوجد في الأم غريزة الأمومة، ومن الذي وهب الأحياء جميعًا غريزة حب البقاء، ومن الذي زرع في النفوس نزعة حب الجمال… وهكذا. في الإطار الديني تستطيع أن تقدم جواب: أن هذه من المعاني الفطريّة التي خلق الله عز وجلّ الناس عليها».

أما في ظلِّ الرؤية الإلحاديّة التي تنكر الفطرة، كيف نفسّر ونفهم جميع ما سبق؟ وكيف نعلِّل وجود الإرادة الحرة للإنسان وحرية الاختيار؟ لا وجود لأية تفسيرات موضوعيّة وأجوبة منطقيّة، إنما تخبطٌ وارتباك. فمثلًا سام هاريس في كتابه «الإرادة الحرة» يقول: «إن الإنسان معدوم الحرية، وإن الإرادة الحرة في واقع الأمر هي أكثر من وهم، وأننا لا نصنع إرادتنا».

وإن كانت الطبيعة والعقل على السّواء لا يمكنهما التمييز بين الصحيح والخطأ، بين الخير والشر، فهذه الصفات ليست موجودة في الطبيعة كما يعبر برتراند راسل، كيف يمكننا إذًا حلّ هذه المعضلة؟ أنتركها للذوق العام فتكون بذلك نسبيّة وتبعًا لرغبات البشر ومصالحهم؟ فأنا اليوم أرى الصدق جيدًا كونه يجلب لي منفعة، وغدًا سيكون شرًا إذ سيبب لي ضررًا إن التزمت به، وقس على ذلك الكثير. ولك أن تتخيل شكل العالم حين يكون الخير والشر، الصواب والخطأ، الظلم والعدل، متروكٌ للذوق والرغبة، فما تراه أنت فضيلة سأراه خطيئة والعكس.

وهذه التخبطات والمحاولات الواهنة للتفسير والتعليل طبيعية لا تستدعي الدهشة والعجب، فالذي ينظر للإنسان من منظورٍ ماديٍ فقط سيقع في دوامة التعليل الواهن والتفسير الباطل، ولن تكون له أرضيةٌ ثابتة لما يحتجّ به، وستفقد مرجعيته المتانة والتماسك فتكثر فيها الثغرات والمغالطات. يقول سارتر: يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألّا يكون الله موجودًا؛ لأنه بعدم وجوده تنعدم كل إمكانية للعثور على قيمٍ في عالم واضح. وقريبٌ إليه ما قاله ريتشارد دوكنز في كتابه وهم الإله عن صعوبةِ تأسيس قيمٍ على أرضية غير دينية. والحق أنها ليست بالأمر الصعب، إنما بالمستحيل، لكن في هذا القول نوع من التلاعب في الكلام في استصغار عظم الأمر وفجاعته.

رابعًا: صوت النفس وهمس البصائر

قال تعالى: «اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ». من جملة ما قاله المفسِّرون حول هذه الآية، قولٌ نفيسٌ جليل للدكتور النابلسي، يقول: «فالله إذا علم منك رغبةً في معرفة الحقيقة فقلبك يميل إلى الحق، وإذا علم منك صدقًا في طلب الحقيقة فقلبك يرتاح للحق، والحق محبب له – أي للقلب – أما إذا كان هناك كذب ودجل ونفاق، فعندئذٍ تكره الحق وأهله وتحب الباطل وأهله. وقلبك بيد الله عزَّ وجل يقلبه كيف يشاء، بعد أن يعلم مشيئتك أنت».

إن للنفس جوْعةٌ روحيّة لا تُشبَع إلا في كنف خالقِها وسرِّ وجودها الأعظم، وتحت ظلاله تجد الراحة والأمان، كالطفل الرضيع لا يعرف أمانًا وحنانًا في غير حضن أمه، ولله المثل الأعلى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد