1

ذكرتُ في مقالي السابق «تحية العلم: هوية منتهية الصلاحية» بعض التفاصيل التي توضح هوية مصر الحائرة، تلك التي تقوم على مجتمعات متفرقة، وكل مجتمع فيها ينكر حق المجتمع الآخر بصورة مختلفة، وكيف أن المعنى الذي يبحث عنه النشيد الوطني لم يعد موجودًا، على الرغم من أنه مشتق من كلمات العظيم الراحل مصطفى كامل، أما هنا في مقالي الثاني، والذي هو خطوة صريحة للتمهيد لشهادتي عن جيلي وعن حكايته مع الوطنية.

كيف أصبح الإنكار جلدًا للذات وتجميلًا لهذا المجتمع، مسرحية فكاهية للغاية، أطرافها الأحزاب السياسية والجماعات الدينية ورموز الدين في هذه البلاد، ومؤخرًا انضم إليهم المؤسسات المصرفية، ولكني هنا لن أتحدث عن فرد بفرده كمثل، ولكني سأصرح فقط بفقرات قصيرة وقليلة للغاية عن تلك الأشياء التي ننكرها جلدًا لذاتنا وتجميلًا في أنفسنا، عسى أن تصل رسالتي دون أن تمس حياء وقلب أحد هؤلاء البلهاء، الذين ابتدعوا من قبل ميلادي عام 1999، الذين أنكروا كل شيء تجميلًا في أنفسهم وجلدًا لذاتهم، وإذا بهم يا عزيزي القارئ أصبحوا بلا كرامة وبلا قيمة وبلا معنى، إلى الإنكار تجملًا.

2

لا أنكر صراحةً أن الشارع المصري شكلًا وموضوعًا لا يعلم أي شيء عن الواقع السياسي، بل الذي يعلمه الشارع المصري عن أحداث السياسة ليس إلا ما أتى له من خطبة الجمعة أو اللقاءات العابرة مساءً على التلفاز، يعتقد المصري النموذجي أن الديل مايل وواشنطن بوست ونيويورك تايمز وسي إن إن وبي بي سي وغيرهم من الوكالات المعروفة ليست إلا وسائل يهودية لقهر مصر نفسها، ولكني أجمل تلك الحقيقة بأن الشعب المصري صراحةً لا يملك وقتًا إضافيًا للحياة، إذ إن أغلبية الشعب لهم راتب أساسي لا يتخطى الألف جنيه إلا إذا كان قريبًا أو بعيدًا من أقران عبد الله كمال، وأن مصرنا وشارعها لا ينامان، بل يعملان أعمالًا إضافية، وبعضنا يعمل أعمالًا لا علاقة لها بما درسه طوال سنواته الأولى لأنها وظيفة توفر مالًا جيدًا، أي باختصار الوطن استحال إلى ساقية ندور فيها لنسقي أنفسنا ما لا يسمن ولا يغني من جوع.

لقد استطاع الرئيس جمال عبد الناصر في بداية عهد الجمهورية أن يربط الطعام والشراب أكثر مما ربط التعليم بعقلية الإنسان المصري، وأصبح الإنسان المصري يعتقد أن الأكل والشرب وسد الفم أمن قومي، ومحاربة إسرائيل كانت الكنز الذي استطاع به الزعيم أن يستمر زعيمًا، وقدرته السحرية على إلقاء الناس في البحر، كان عبد الناصر رجلًا يعلم كيف يؤسس الديكتاتورية، إذ إن بمحو ثقافة الشعب المقاوم ونزع المقاومة من عقولهم، ربط الحياة بالطعام والشراب أكثر من ربطها بالعلم وطلب التطور، ومن ثم استمرار الكيان الصهيوني بعد عام 1948 رغم أن الاحتلال قد بدأ من قبل الحرب العالمية الأولى، كل تلك الأشياء جميعًا شكلت الواقع المصري اليومي.

إذ إن السيد الرئيس جمال عبد الناصر، أعطى للمواطن إحساس أنه لن ينقذ نفسه من طاحونة الأيام، يجب أن يأكل لأنه خائف فقط من الموت جوعًا، ويجب أن نحارب إسرائيل لأننا نخاف الهزيمة من إسرائيل، إسرائيل التي تقع بجوارنا وتقع فيها المخاطر فعلًا، لا توفر لمواطنيها الطعام والشراب، بل توفر التعليم والبحث العلمي، توفر لهم بعض الحرية إذ كانوا يهودًا فقط، أما مصرنا العزيزة، فظلت تنزف ثرواتها المالية وفرص الاستثمار مع إقامة النظام القائم على العولمة وثورة الاتصالات، الدولة تنفق كل ما تملك في توفير الخبز عن توفير خدمة النت، توفر ما تستطيع لمياه شرب غير صحية عن توفير معامل تنقية، وفي النهاية أصبحت ديون مصر جميعها ليست إلا ديون الطعام والشراب، إني لا أنكر أننا شعب لا يتقن الحياة ولم يقدم شيئًا مؤثرًا في الحياة، لكني أجمل تلك الحقيقة بحقيقة لا ينكر أحد، نحن جميعًا أبناء عبد الناصر.

3

لا أنكر حقيقةً أن المصريين خارج حسابات الدولة، إن دققت في بعض قوانين الدولة الداخلية والخارجية فستعلم كم يختفي المصريون من الحسابات، وأقرب تلك الأمثلة إلى قلبي، تلك الأمثلة الثلاثة التي كنت أعيش بينها، كنت أثناء ما كنت أعيش بين الجالية المصرية في الخليج، وفي غير الخليج أيضًا، كان المصريون محتجزين في سجون الدول العربية الأخرى، والتي سماها الأدب العربي الحديث «المنافي العربية»، لا عجب أن السفارة لم تكلف لها خاطرًا أن تعلم من هم من أبنائها في السجون، ولماذا هم محتجزون في بلاد أخرى، لم يكن المصري في أحد الأيام أمريكيًا يسلم إلى سفارته أو حتى نيجيريًا يسلم إلى سفارته، بل إنه حتى في بلد يحمل ذات القومية والأعراق تقريبًا قد يحتجز ويهان بكل سهولة ويسر، إذ إن السفارة لا تعمل لصالحه، بل تعمل لصالح الآخرين،الذين طوال عمري أتمنى أن ألقاهم ولو لحظة.

أبناء الجالية المصرية من بين الذين عاشوا في الخليج وأخذوا التعليم الخاص بتلك الدول، يعانون حين يحاولون نيل الشهادة الجامعية من بلادهم مصر، وفي دستور مصر ومواثيق حقوق الإنسان التي كانت مصر قد وقعت عليها في الماضي، يحق لكل من يعيشون عليها أن ينالوا حق التعليم، ولكن حق التعليم الذي تعتقده الدولة هنا لا يعني أن يجدوا طريقة تقيم لأبناء الجالية المصرية حتى يتمتعوا بخير ضرائبهم في بلادهم.

البلاد في ظل ما فرضت بلاد العالم عليهم ضغوطًا مختلفة كضرائب وغير ذلك، وقوانين عمل تقيد حريتهم وتهين حقهم الإنساني، قام الرئيس الأسبق حسني مبارك بصناعة السخرة الحديثة عن طريق بنوك الرافدين وعمالة العراق، إلى سيناريو مأساة النعوش الطائرة، وفي النهاية يا سيدي الكريم، نجد أن بلاد الخليج وضعت ضرائبها الجديدة التي نعتاد عليها كل عام، وبالإضافة لذلك تضيف دولتنا ضرائب تراجعية، ولا عجب أن تجد الدول تطالب الذين هربوا من حالها بأيام الرضاعة! أليس ذلك الحليب خير حليب البلاد؟!

4

إن مثالي هنا، هو آخر الأمثلة التي تتحدث عن عدم الإنكار والتجميل، وهو مثال يراه الإنسان كل يوم أثناء التنقل في أرجاء مصر، كم سيارة أجرة لا تحمل رخصة مرور أو أوراقًا رسمية، في الأحياء الشعبية تنتشر الراما وأشباه الراما مخلوعة الهوية، تسير على أربعة كما سيارات الخلق، ولكنها تساعد في زيادة مرضة الغضروف، بعيدًا عن عدم صلاحية استخدام تلك السيارات، كيف تسمح الشرطة المصرية بمرور سيارات مجهولة الهوية قد تصنع جرائم دون دليل للعثور عليها، ولا تسمح حتى بمظاهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد