فيلمان جديدان يدمجان الرعب كعنصر تشويق مع ثيمات السطو المسلح والخيال العلمي (الطبي، والماوراء الخرافي): نماذج سينمائية حديثة مدمجة: أشباح الماضي تتحكم في الحاضر!

الفيلم الأول الخطوط المنبسطة: تجربة إيقاف القلب والدخول في النفق والضوء الأبيض

يتحدث عن قيام خمسة طلاب طب بتجربة مصممة للوصول تجريبيًا إلى إيقاف القلب لفترة وجيزة (بواسطة العقارات الطبية، ومن ثم محاولة إعادة تشغيل القلب بالصدمات الكهربية)، ومن ثم معاينة حالة ما بعد الموت مباشرة لفترة وجيزة، حيث تحدث لهم جميعا تداعيات قاتمة ومخيفة، وتسيطر على هواجسهم شخصيات من ماضيهم، حية وميتة، كأشباح تطاردهم، وهذا الفيلم هو إعادة ضعيفة للفيلم الكلاسيكي الذي أنتج في التسعينات، وأخرجه جويل شوماخر، ويتحدث هنا عن إيقاظ الأشباح ومطاردتهم للضحايا.

وتتكرر هنا المقولة الأساسية الساخرة: اليوم هو يوم جيد  للموت. يبدع المخرج نايلز آردن إديلب في طرح تفاصيل فيلمه الجديد هذا بالمشهد الافتتاحي الشيق الذي تؤدي فيه حادثة سير مفاجأة لغرق السيارة، ونجاة الأخت الكبرى، وموت الصغرى المراهقة، وينطلق من هذا الاستهلال اللافت لسرد قصة شخصيات الطلاب الأغنياء والأذكياء والطموحين الذين  يكملون دراستهم العملية في مستشفى تنافسي-بحثي متخصص… تؤدي تجربة إيقاف القلب والموت المؤقت إلى ما يسمى التنوير التي تحدث تأثيرات تشبه تناول المخدرات، مثل الهلوسات الحية وزيادة الدافع الجنسي، وتعزيز السلوكيات الفطرية، مثل نشوء قدرة جديدة عند كلير للعب على البيانو، والرغبة الإدمانية في تمزيق الجدران بأظافر اليد كوسواس قهري مرضي.

كذلك تزيد الطاقات الاستيعابية الإدراكية، كما حدث مع صوفيا السمراء التي كانت تواجه مشكلة في حفظ الاصطلاحات والمفاهيم الطبية، فتحسن إدراكها واستيعابها وقوة ذاكرتها.

الفيلم يلعب بمهارة على الثيمات الدينية والسلوكية، وعقدة الشعور بالذنب، كما بمشاعر التوبة والمغفرة، ويدخل المرشحون لتجربة ما بعد الحياة تحت أضواء ساحرة بيضاء خافتة من خلال سحب ملائكية، تكرارًا لتجربة النفق والضوء الأبيض في نهايته التي تتحدث عنها المراجع الطبية، ويلعب كيفر، طالب الطب الذكي الحكيم بينهم دورًا حياديًا وكأنه الراوي، حيث إنه لا يتورط في التجربة مباشرة، وإن شاركهم فيها بحماس متبرعًا بمعرفته الطبية الذكية لإنقاذهم في حالة الاستعصاء.

وتجري الأحداث جميعها خفية بعيدا عن تدخل عميد المستشفى المتنفذ، والفضولي، والمتطلب نيلسون رايت، والعاملين الآخرين، وعيونهم، حيث يتضافرون جميعا لإخفاء حقيقة ما يجري في الطابق السفلي، ثم تظهر للجميع رؤى من الماضي تطاردهم في حياتهم اليومية، نقطة ضعف هذا الشريط الكبرى تتمثل في بدايته القوية ونهايته المملة، وهو يجذبك بطرحه القوي لفكرة محاولة معرفة أسرار ما بعد الحياة التي تُحُدِّث عنها طويلا من قبل المرضى المشرفين على الموت، ولكن المأزق يتمثل هنا بخطورة التجربة طبيا، وإشكالاتها أخلاقيا، حيث تطاردهم خطايا وكوابيس ماضيهم، متلازمة مع عواقب روحانية كاسحة نتيجة تعديهم العشوائي على الجانب الآخر.

بعد ذلك تبدأ الأمور الغامضة في الحدوث، وتزور الأشباح كورتيني أولا؛ بسبب تغول مشاعر الذنب لديها؛ نتيجة لغرق شقيقتها الكارثي، ونجاتها هي من الموت، وهنا يبدو وكأن شبح شقيقتها المتوفاة يجرها للموت كما في أفلام الرعب الخالصة، فيما ينجو الآخرون من هذا المصير المرعب، ثم تتوالى الأحداث الخارقة في ترتيب تتابعي وتصاعدي لكل من جيمي ومارلو وصوفيا، ويتمثل ذلك بالمعاناة والتوتر والرؤى المزعجة وتجسد الضحايا حولهم، وفي الوقت الذي يصل فيه الفيلم الى منتصفه تقريبا، يبدأ برحلة الهبوط والتيه.

أكثر من عشرين بالمئة من الفيلم يدور حول الشخصيات الشبحية التي تتجول في شقق مظلمة وأقبية وممرات، والتي تثير الخوف أحيانا، طارحين التساؤل فيما إذا كانت هذه الضوضاء التي يسمعونها والخيالات التي يرونها مجرد انعكاسات سلبية لأحداث حياتهم وكوابيس أحلامهم، ثم تصدح أحيانا فجأة موسيقى تصويرية معبرة، وتواجههم هزات عنيفة شبحية ولحظية وبلا عواقب، وكأنها مجرد تحذيرات لا غير.

يحاول جميع الممثلين تقديم أحسن ما عندهم ضمن سيناريو متذبذب وغير متجانس، وهناك بعض المشاهد القليلة في آخر الشريط التي تحاول أن تجد التوازن الصحيح ما بين الميلودراما الملهمة والرعب الخالص، وتظهر فكرة التصالح مع خطايا الماضي كسلوك أخلاقي حميد يحفزه الشريط كتوجه إنساني رفيع، مثل حالات التهرب من المسؤولية، ونكران الأبوة، والاعتذار للسلوكيات الغيرية الرديئة التي ألحقت الأذى بالضحايا، ولكن حقا أدت التصورات والخيالات الشبحية” المبالغ فيها أحيانا إلى تضييع النص السينمائي وتشتته، كما أدت إلى إدخال الشخصيات في مأزق التوضيح والشرح التفصيلي، وكأنهم في جلسة تحليل لقراءة روائية مملة؛ مما حمل الفيلم مضامين زائدة أبعدته عن هدفه الفني-الترفيهي والتشويقي، وجعلت النهاية مسطحة وباردة، بل ساذجة ربما.

الفيلم الثاني خزنة القبو: خيبة السطو المسلح المهدور ولعنة القبو المسحور

يتحدث هذا الشريط عن شقيقتين تخططان لسرقة بنك؛ لإنقاذ شقيقهما المتورط في ديون مالية كبيرة، ويبدو أن هذا البنك ليس عاديًا. الفيلم من إخراج دان بوش، وتمثيل كل من جيمس فرانكو وتارين مانينغ وفرانشيسكا إيستوود. ويبدأ بمشهد تقدم فتاة جميلة شابة اسمها ليه (فرانشيسكا ايستوود) للعمل كصرافة في بنك متواضع، فيما تبادر شقيقتها فبي لافتعال مشكلة مع صرافة مسكينة، والشكوى المكررة البذيئة من طريقة تعامل البنك مع الشيكات المرتجعة واقتطاع المال من الحسابات، فيما نشاهد شرطي الحراسة يمزح مع صرافة شابة تدعى سوزان، بينما الخارج يعج بالضجيج والضوضاء، ويسعى ثلاثة رجال إطفاء لاقتحام البنك للتأكد من عدم وجود حريق، وينكشف لاحقا أن البنك يتعرض لسطو مسلح من قبل عصابة مكونة من خمسة أشخاص، وهم يسعون لسرقة الأموال بسرعة والهروب، ويوضحون رغبتهم هذه للموظفين؛ لأنه ليس في نيتهم إيذاء أحد، ثم تبدأ المشاكل عندما تكتشف التوأمتان أنه لا يوجد سوى سبعين ألف دولار في هذا البنك الصغير، وأن هذا المبلغ لا يكفي لإيفاء ديون شقيقهما المتورط أيضا في هذه السرقة، ثم يدخل شخص جديد على الخط ليخبرهم بوجود خزنة في القبو السفلي تحتوي على الملايين، راجيا منهم عدم إيذاء أحد من الموظفين، وهو لا يخبرهم بوجود أشباح شريرة داخل القبو، ثم نلاحظ  خيالات أشكال مرعبة، ولكنها غير منظورة لكاميرات المراقبة المزروعة في القبو، تتصاعد الأحداث بشكل دراماتيكي مرعب، ويثقب أحد اللصوص رأسه بعد فتحه للخزنة، وتنتقل الهيستيريا للجميع؛ فيحرق لص آخر القبو ومن فيه لاحقا بفعل إيحاء القوى الشريرة أيضا، ثم يترتب على الجميع لصوص وموظفين الهروب من هذا المكان المسكون والملعون، الذي تم فيه إطلاق قوى شريرة من رقادها.

إذن إنها قصة سطو مسلح في المقام الأول تنزلق تدريجيا لفيلم رعب خالص وشيق في البداية، دخل فيها طابق القبو السفلي وأشباحه النائمة منذ العام 1982، عندما حدثت في البنك عملية سطو مماثلة، وقد أشار المدير لموظفته المرشحة بهذه القصة منذ البداية قائلا لها: هل تخافين الأشباح؟

لقد نجح المخرج حقا في مسعاه المرعب الكابوسي هذا في البداية، وحتى بعد منتصف الفيلم، ثم خذلنا، وأبدع فرانكو، الذي أدى دوره بهدوء ولا مبالاة وملل أحيانا، وبدا كشاهد وراو للأحداث، بالإضافة لكاريزمية الممثلة إيستوود (وهي بالمناسبة ابنة المخرج الشهير كلينت ايستوود) وقد أعجبت حقا بطريقة صياغة شخصيات اللصوص؛ حيث أظهر أحدهم، وهو الشقيق، طيبة غير متوقعة في مثل هذه الظروف؛ وكذلك القائدة إيستوو؛د حيث أفهمونا ضمنا بأنهم تورطوا في عملية سرقة وهم لا يعرفون كيف يخرجون منها؟ عكس النمط التقليدي لمثل هذه العمليات الذي نشاهده عادة في الأفلام.

في البداية تنتابنا القشعريرة من انفلات هذا السحر القديم في قبو البنك، وأنت كمشاهد تنجذب حقا لمتابعة ما يجري، ولكنك في أعماقك لا تصدق شيئا، حيث يتحول الأمر تدريجيا لحالة كارثية متصاعدة، ويكثر فيه الغموض، فنعلم أن مساعد البنك فرانكو الهادىء كان يعمل في نفس الوظيفة منذ العام 1982، واختفى، ثم ظهر فجأة هنا في سياق الأحداث، ونعلم أن شخصا مجهولا كان يتصل بالشرطة دوما، ويخبر أن البنك يتعرض لعملية سرقة.

ونفاجأ بعدم وجود أي موظف تمكن من إجرا ء هذه المكالمة، ونرى في اللقطات الأخيرة شبحا مدهونا وجهه باللون الأبيض وهو يوجه مسدسه على رأس فرانكو من الخلف أثناء قيام هذا الأخير بالاتصال هاتفيا بطرف ما، ثم نرى نفس الشبح الغامض وهو يوجه مسدسه لرأس فرانشيسكا أمام سيارتها الهاربة، والتي شعرت بالفرح عندما علمت أنها وشقيقتها قد نجتا كوحيدتين من عملية السطو مع النقود، فيما سمعتا من خلال الاذاعة المحلية أن الشرطة تعتقد أن جميعهم قد قتلوا في عملية السطو وتداعياتها.

فمن هو هذا الشبح الغامض المزمن الذي سبق وظهر في عملية السطو القديمة، ويظهر كذلك الآن ظافرا بالنقود، وقاتلا للأشخاص بأسلوب غادر وبلا مواجهة.

فهل هو شخص حقيقي متخف أم مجرد شبح قاتل يحمل لعنة القبو القديمة؟ مثل لعنات مقابر الفراعنة في مصر القديمة؟ كل هذه التداعيات والالتواءات اللاهثة وغير المفهومة في مشاهد الفيلم الأخيرة، تحول الفيلم في المحصلة لمجرد توتر حركي وهراء ما ورائي، وتفشل في تحقيق نفس المستوى من التشويق المنسق والمتوازن، وكل هذا للأسف يجعلك تغادر دار السينما وقد نسيت كل ما جرى معتبرا إياه تسلية خالصة لا غير.

ما اعجبني هو أنه بالرغم من أن هذين الفيلمين قد نالا إعجابي لسبب أو لآخر؛ مما قادني لكي أكتب عنهما بهذا الإسهاب والوصف، إلا أنهما نالا تقديرا سيئا في الموقع النقدي المشهور (الطماطم الفاسدة)، وتعرضا لنقد قاس لا يرحم، فيما نجد نقادنا العرب الأفاضل في معظمهم يكيلون الثناء والمدح الزائف لأفلام عربية متواضعة الإخراج بحجة أنها تحمل مضمونا ثمينا، وفكرة جيدة، أو لغرض النفاق والمجاملة لا غير.

وبعضهم حتى يغادر العروض مللا ولا ينتظر لإتمام مشاهدة الأفلام، وأتذكر في إحدى الندوات السينمائية كيف واجهني مخرج فيلم محلي بائس بالغضب والاعتراض قائلا: (أنت لم تفهم الفيلم)، وذلك عندما انتقدت تقنيا حالة سرقة حقيبة البطلة الشابة عنوة من الباص الصغير وهروب السارقين، حيث ظهرت المحاولة صبيانية وساذجة وغير مفهومة ومنجزة بطريقة رديئة للغاية، علما بأن فيلمه نفسه هذا قد حصد جائزة أو جائزتين، واستغرق العمل عليه سنوات حسب قوله لأسباب مختلفة وتمويلية!

هكذا نجد على الأقل أن هذه الأفلام الأجنبية (التي تسمى تجارية) متقنة للغاية، وتحترم متابعات المشاهد الفطن، بالرغم من سطحية المعالجة الدرامية، ومن بعض الهنات هنا وهناك، فالسينما هي فن بصري بامتياز، والمخرج الذي يعجز عن إتقان المَشاهد، فعليه أن يجد مهنة أخرى ليقتات منها! ودمتم سالمين وقارئين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد