«المغفلة» قصة للكاتب العالمي أنطون تشيخوف، تدور أحداث القصة عن مربية أطفال تدعى يوليا فاسيلينا، تقوم برعاية الأطفال وتدرسيهم، لدى إحدى الأسر الثرية، ومضى على عملها شهران وخمسة أيام ولم تتقاض راتبها، فدعاها سيدها إلى غرفة مكتبه وقال لها: «اجلسي

يا يوليا.. هيا نتحاسب..

أنت بالغالب بحاجة إلى النقود

ولكنك خجولة لدرجة أنك لم تطلبيها بنفسك».

ومن ثم يبدأ بمساومتها بالمبلغ الذي سوف تتقاضاه، بحجة تقصيرها في عملها وقدرتها على إنجازه بالشكل المناسب، فيقوم ببخس الأجر المتفق عليه من 80 روبلًا إلى 11 روبلًا.

فترد يوليا قائلة: شكرًا،

فاستشاط سيدها غضبًا، وقال شكرًا على ماذا؟ لقد سرقتك ونهبتك. ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟

لماذا لا تحتجين؟

لماذا تسكتين؟

هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟

لقد تناول العديد من النقاد هذه الرواية من زوايا مختلفة تعكس وجهات نظرهم، فمنهم من أسقط مفهوم الصراع الطبقي في المجتمعات، ومنهم من أسقط فكرة الحاكم الظالم والمحكوم المظلوم.

أما في هذه المقالة سنقوم بالتحليل النفسي لشخصية يوليا، وسنقوم بوظيفة المرشد النفسي لها، ونقيس مدى حقيقية ادعاء سيدها بأنها إنسانة مغفلة، وذلك من خلال وضع مجموعة من الافتراضات والإسقاطات لفهم شخصيتها؛ بهدف أن يساعدنا ذلك لفهم الشخصية الإنسانية بصورة عامة، وكيف ينظر الشخص إلى ذاته بالعادة وكيف يراه الآخرون أيضًا.

سنطرح بعض الأسئلة؛ لنفهم شخصية يوليا ولتساعدنا هذه الأسئلة على التحليل النفسي لشخصيتها، فالسؤال الأول: هل تعلم يوليا بأن سيدها يراها إنسانة مغفلة قبل أن يواجهها بذلك؟ ولماذا لم تطالب بحقها في نهاية الشهر الأول من عملها؟

هل يوليا تعلم بأنها إنسانة خجولة لدرجة التغافل عن حقها؟ ولديها توكيدات يومية بذلك؟

هل يوليا معروفة في مجتمعها المحيط، بأنها مغفلة وهنالك إجماع على ذلك؟

من أجل أن نجيب عن هذه الأسئلة بشكل علمي وموضوعي، سنستخدم نموذجًا في علم النفس يدعى نافذة «جوهاري للوعي»، وهو نموذج يستطيع الشخص، أو المرشد النفسي أن يفهم الحالة الإنسانية التي أمامه ويقدم لها المساعدة، يُستخدم هذا النموذج لتفسير علاقتنا مع أنفسنا وعلاقاتنا مع الآخرين.

وهو نموذج على شكل مربع مقسم بالتساوي إلى أربعة أجزاء كل جزء يختص بإظهار جانب من الشخصية الإنسانية موضحًا علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بالآخرين وفي ما يلي الأقسام الأربعة بالتفصيل.

الجزء الأول النافذة رقم واحد:-

المنطقة المفتوحة:- أي المعلومات التي يعرفها الفرد عن نفسه، ومعروفة لدى الآخرين، هي المعلومات الخاصة بالشخص كاسمه واسم عائلته والسلوك الظاهر له، والمواقف، والمشاعر، والعواطف والمعرفة والخبرة والمهارات، والآراء؛ إذ يعرف الشخص ذاته ويعرفه الآخرون لذلك سميت بالمفتوحة.

النافذة رقم 2

الذات المخفية ا:- هي أي شيء يعرفه الشخص، ولكنه لا يكشف عنه؛ لأي سبب من الأسباب، فالذات المخفية تشير الى المعلومات، والمشاعر، والمخاوف، والأجندات الخفية، والنوايا والأسرار التي لا يريد الفرد أن يبوح بها، أو يكشفها للآخرين مثل المخاوف والقلق، والحياة الجنسية، والمشاجرات والخلافات ومشاعر الصراع والتشويش، ومن الطبيعي أن تظل المعلومات والمشاعر الشخصية مخفية.

يمكن نقل المعلومات والمشاعر المخفية من الذات المخفية إلى المنطقة المفتوحة من خلال المكاشفة والبوح للمرشد، وبذلك تتسع المساحة المفتوحة وتقل المنطقة المخفية، ويقوم المسترشد بهذه الخطوة حينما لا يستطيع أن يتحمل ما هو مخفي من المشاعر، ويحتاج لمن يساعده ليتمتع بحياة نفسية سليمة، وبالعادة من يقوم بتقديم هذه الخدمة هو المرشد النفسي، أو أي شخص نثق به ونستطيع أن نبوح ما بأنفسنا من أجل أن يرشدنا ويوجهنا.

النافذة رقم 3

المنطقة العمياء:- تشير إلى المعلومات التي يعرفها الآخرون عن الفرد، ولكنه لا يعرفها عن نفسه

وتعرف أحيانًا بالمنطقة العمياء أو النفس الكريه، فالشخص ثقيل الظل لا يعلم بأنه كذلك، بل يستمر بإلقاء النكات السمجة بأي فرصة متاحة أمامه، والبخيل لا يعلم بأنه بخيل بل الآخرون يجمعون على ذلك.

النافذة رقم 4

فتشتمل على الجوانب الفضولية حول الذات:-

وهي التي لا يكون لدينا جواب كاف أو معلومات حولها، مثال لماذا لا أستطيع أن أضبط غضبي؟ كيف أتصرف عندما أشعر بالإحباط والإخفاق؟

ما الحيل الدفاعية التي أستخدمها عندما تواجهني مشكلة بالعادة؟

فالنفس البشرية معقدة لدرجة أنه يمكن لعقلك اللاواعي أن يحجب عنك وعن عقلك الواعي، الحقائق ويظهرها كما يريد.

إن هذه المربعات المتساوية في نموذج جوهاري يمكن أن تكبر بمنطقة وتصغر بجهة أخرى، ففي حالة الكشف عن الذات والمصالحة مع الذات تتسع المناطق المفتوحة، وتصغر المناطق المخفية، ويتمتع الإنسان بحياة نفسية سليمة وسعيدة.

ولتطبيق ما سبق في نموذج جوهاري للوعي، سنعود إلى شخصية يوليا ولنبحث في علاقتها مع سيدها الذي وصفها بالمغفلة.

لنفترض بأن صفة المغفلة بالنسبة ليوليا غير واردة لديها البتة، وتقع هذه الصفة في المربع الثالث في نموذج الوعي؛ أي في المنطقة العمياء، فهي لا تعلم بأنها مغفلة من وجهة نظر سيدها، ربما تتصرف بمشاعرها أمام الآخرين ولا تنظر إلى الأمور من الناحية المادية، فهي ترى أن الحفاظ على العلاقة الإنسانية والمشاعر المسالمة أفضل من الماديات بالنسبة لها، فمن وجهة نظرها ليس من الأدب مطالبة سيدها بالمال إلا إذا هو قدم لها المال بنفسه.

هنا تكون لغة الحوار بين يوليا وسيدها مختلفة تمامًا، فهو يهتم بالماديات أولًا ويرى يوليا مغفلة لأنها تضيع حقوقها المادية.

أما هي تهتم بالمشاعر والأحاسيس الطيبة التي نشأت من حسن المعاملة في منزل الأثرياء.

وإذا أرادت يوليا أن تحافظ على عملها فعليها أن تعبر عن مشاعرها وتوضح وجهة نظرها للأمور، وبأنها ليست مغفلة بقدر تقديرها واحترامها لحسن المعاملة، وبأنها تصورت بأن النبلاء لا يسرقون ولا ينهبون من يعمل لديهم.

أما سيدها فعليًّا قام بالتعبير والتوضيح بنص الرواية قائلًا: «ما أبشع أن تكون ضعيفًا في هذه الدنيا».

فالحقيقة نحن جميعًا مغفلون ولكن بدرجات متفاوتة، أحيانًا نكون مغفلين لعدم قدرتنا على فهم احتياجاتنا ومشاعرنا، واحتياج ورغبات ومشاعر المحيطين بنا، فنسقط في دوامة القلق والتوتر.

عندما تكون هناك علاقة بين طرفين أحدهما يؤمن بأهمية المشاعر والأحاسيس والطرف الآخر يتحدث بالماديات فقط، فلغة الحوار غير متجانسة ومبهمة، وهنا يحدث الخلاف والصراع في العلاقات. فعلى الطرفين أو أحدهما أن يوحد لغة الحوار للحفاظ على العلاقة من الانهيار، وخصوصًا إذا كانت العلاقة مهمة للشخص، وتحمل صلة دم وقرابة.

توحيد اللغة يأتي بمعنى البحث عن الأمور المشتركة والمتجانسة بين الطرفين؛ للوصول إلى لغة متقاربة، وهذا بحد ذاته بحاجة إلى جهد مبذول من قبلهما، للحفاظ على الصلة بينهما، وهذا حتمًا أفضل من الهروب والقطيعة التي تعد الأسهل دائمًا، أو تقديم التنازلات التي تؤدي إلى الكراهية والانفجار بآخر الأمر.

رجوعًا لما سبق، فإما أن تقوم يوليا بالمطالبة براتبها في وقته المحدد، كما هو متفق عليه دون الشعور بالحرج وتقاوم خجلها، أو ربما ستطرد من عملها ليقين سيدها بأنها مغفلة، وهو لا يريد أن تربي أبناءه امراة مغفلة.

ومع ذلك ربما يوليا محظوظة لأن سيدها أنار لها ضعفها، وواجهها به، ويمكن أن يكون ذلك عاملًا لتغيير شخصيتها؛ لتكون أكثر ثقة وإيمانًا بنفسها، ومن ثم تستطيع أن تحل يوليا مشاكلها في العمل وتتمتع بصحة نفسية سليمة.

فتوحيد اللغة في العلاقات هي الطريقة التي تجعلك تحافظ على احترامك لنفسك، وتدفعك للاستمرار بهذه العلاقة وتجعلك أكثر صبرًا وتحملًا، وتنمو بذورها في بيئة صحية وسليمة، أي

إذا كانت المشاعر الصادقة تعني لك الكثير ولم تجد تقديرًا لها في علاقة ما، سيتمزق قلبك وتشعر بالحزن، وتنقلب ربما مشاعر الحب إلى الكراهية والحقد، وهذا لن يجلب إليك إلا الشقاء والبؤس وأنت بالغنى عن ذلك.

فالحل هنا استخدام تكنيك أو أسلوب يساعدك، في حالة تجاهل مشاعرك الصادقة، ولم يبادلك الطرف الآخر بالمشاعر الإيجابية كما تفعل أنت، مما يؤدي ذلك إلى القلق والتوتر وعدم الراحة بالنسبة لك، وهذا الأسلوب هو أسلوب تفريز وتجميد المشاعر، أي عليك أن تتوقف عن الحب أو الكراهية تجاه شخص ما أو حتى التفكير به، ويكون من خلال اتخاذك القرار الصارم لذلك، ويتم بعد التحليل المطول والموضوعي للعلاقة بينكما.

فتجميد المشاعر أي تحويل مشاعرك المرفوضة من الطرف الآخر إلى واجبات وماديات اجتماعيه تجلب السلام للجميع.

لنفترض بأن يوليا لديها خالة تكن لها يوليا مشاعر الحب والصداقة، وذلك لصلة القرابة بينهما، بينما خالتها تشعر بالغيرة الشديدة من يوليا لأسباب لا تعلمها حتى يوليا.

وتحاول الخالة إخفاء تلك المشاعر، وتعامل يوليا في المناسبات الاجتماعية بكل احترام وتقدير، ولكن يطوف على وجه الخالة بين الحينة والأخرى نظرات الكراهية، وزلات اللسان تظهر ما هو مخفي لديها، وبعض السلوكيات تؤكد بأن خالتها لا تحبها.

وفي كل مرة تقوم يوليا المسكينة بمحاولة التناسي والنسيان لتلك النظرات والسلوكيات للحفاظ على العلاقة بينهما، وتقوم بإعطاء التبريرات إلى خالتها وتصفح عنها دائمًا.

ربما تعتبر الخالة يوليا مغفلة لأنها لا تعاملها بالمثل، ولكن يوليا تستمر بإعطاء التبريرات وتقول بنفسها بأن الخالة لم تقصد ذلك، ومع التراكمات وتكرار المشاعر السلبية، تبدأ يوليا تشعر بسُمية وسوء هذه العلاقة ،ولم تعد تحتمل كراهية الخالة لها. وبالوقت نفسه لا تستطيع أن تقاطعها، ولكن سوء نوايا الخالة أصبح يدميها ويحزنها.

فالحل هو تجميد يوليا لمشاعرها تجاه خالتها ويتم ذلك باتخاذ قرار صارم من قبلها بإعادة تشكيل العلاقة بينهما وتحويلها من المشاعر إلى الماديات. وذلك بعد محاولة يوليا المتكررة لتحسين العلاقة بينها، والخالة تقابل ذلك بالبرود والجحود، أي عندما تقدم لها الخالة هدية بمناسبة ما، تشكرها يوليا على لطفها وتتقبلها بصدر رحب، وبالمقابل عند حدوث مناسبة عند الخالة ترد الهدية إليها بروح طيبة، فتبقى العلاقة بالظاهر على ما يرام ومشاعر يوليا متجمدة لا تستطيع خالتها إزعاجها بعد الآن، فهي تعامل خالتها بالمثل وهو الحفاظ على الماديات وتعاملها أيضًا بالأصل.

ونعي بالأصل أي الأخلاقيات الحميدة المحببة والمتعارف عليها في مجتمع ما، فالتعامل بالأصل يتم حسب قناعات ومبادئ يوليا التي تؤمن بها، فهي تتمنى للجميع السلامة والخير حتى من تم تجميد العلاقة معه من الناحية النفسية.

وذلك لتحظى يوليا بحياة نفسية سليمة، لا تستطيع خالتها أن تؤثر سلبًا فيها بعد اليوم

فيوليا لا تستطيع تغيبر خالتها، وتجبرها على حبها ولكنها تستطيع أن تتحكم بمشاعرها تجاه الخالة، فما أجمل أن تكون واعيًا ومتفهمًا لنفسك ولغيرك في هذه الدنيا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد