لا أعتقد أن هناك نوعًا من المبالغة في القول إن هناك شبه حالة ذهول على الأقل ارتسمت على وجه العالم مما جرى في قمة ترامب/ كيم جونج أون التي جرت في سنغافورة في الثاني عشر من يونيو (حزيران) الماضي. فقبل القمة نقلت وكالة «بلومبرج»، عن رودولف جولياني محامي الرئيس الأمريكي قوله، إن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون جثا «على ركبتيه» متوسلًا لعقد لقاء مع الرئيس دونالد ترامب، وعلى أساس هذا الكلام توقع كثيرون، ومعهم الحق، أننا مقبلون على قمة خشنة، يأمر الرئيس الأمريكي فيها فيطاع، وهناك احتمال قوي أن يؤدي احتكاك الصلف الأمريكي المعهود بالأنفة الشمالية الكورية المعروفة إلى فشل القمة وانتهائها قبل أن تبدأ!

  ومن هنا يمكن فهم حالة الاندهاش الذي لامس حدود الذهول لما حدث في القمة، فقد كانت لهجة الخطاب المتبادل بين دونالد ترامب وكيم جونج أون في القمة بالغة الود والحفاوة، لا يبدو أنها تتناسب إطلاقًا مع خطاب التهديد المتبادل بحرب نووية بين البلدين قبلها بفترة قصيرة، ناهيك عن أن صاحب الخطاب الأكثر ودًا وحفاوة، كان هو الرئيس الأمريكي ترامب وليس العكس، بما لا يتناسب إطلاقًا مع ما ذكرناه سابقًا عما قاله رودولف جولياني محامي الرئيس الأمريكي!

  فنحن هنا لسنا فقط أمام قوة تعودت أن تكسر أعداءها بعنف وتذلهم، انظر ماذا فعلت الولايات المتحدة بألمانيا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها وما فعلته بالاتحاد السوفيتي وما فعلته بالعراق، ولكننا أيضًا أمام رئيس أمريكي، دونالد ترامب، يقوم طرحه على أنه جاء ليحسم ويقطع في المسائل الخطيرة التي تعامل معها سابقوه بالكثير من الميوعة والتسويف!

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون بيانًا مشتركًا يوم الثلاثاء 12 يونيو 2018 عقب قمتهما التاريخية في سنغافورة تعهدا فيه بإقامة علاقات جديدة بين واشنطن وبيونج يانج. وجاء في البيان أن ترامب تعهد بتوفير ضمانات أمنية لكوريا الشمالية فيما تعهد كيم بالعمل في سبيل نزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية. صحيح أنه بيان مبدئي جدًا، وأن الشيطان يكمن في التفاصيل، ولكن أهم نقطة جوهرية في هذا البيان هو أن كوريا الديمقراطية نالت أمرًا تسعى وراءه منذ 70 عامًا، وهو اعتراف الغرب بها! وما يستتبعه ذلك من كسر حالة العزلة القاتمة التي تعيش فيها منذ أعوام طويلة، وبداية تقبلها كدولة طبيعية.

  لقد اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه نال «كل شيء» في البيان المشترك الذي وقعه مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، خلال القمة التي جمعتهما في سنغافورة الثلاثاء الماضي، مشيرًا إلى أنه سيتصل به هاتفيًا غدًا. وقال في إشارة إلى كيم: «أعطيته رقم هاتف مباشر يمكنه الاتصال بي إذا واجه صعوبة، ويمكنني الاتصال به. نحن على تواصل. حين وصلت (إلى الحكم)، اعتقد الناس أننا سنخوض حربًا مع كوريا الشمالية. كانوا يعتقدون أن ترامب سيصل ويبدأ بإلقاء قنابل في كل مكان، لكن حصل عكس ذلك. وقعنا وثيقة جيدة، لكن الأهم من تلك الوثيقة هو أن علاقتي به جيدة». وأضاف: «وقعت صفقة نحصل فيها على كل شيء». ولفت إلى أن بيونج يانج بدأت إعادة رفات جنود أمريكيين، فُقدوا خلال الحرب الكورية (1950-1953). وذكر أن الرئيس السابق باراك أوباما أبلغه قبل توليه الحكم أن برنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية هو «أخطر مشكلة» تواجه الولايات المتحدة، وزاد: «سوّيت الجزء الأكبر من تلك المشكلة». وتابع أن أوباما «كان مستعدًا لخوض حرب مع كوريا الشمالية». إن ترامب هنا يعتبر ذلك إنجازًا عظيمًا يستحق ما تناله كوريا الديمقراطية في مقابله، لكن يبدو أن ما يغلب على الصحافة الأمريكية والكثير من رجال الكونجرس هو عدم الرضا عما حدث في سنغافورة والطعن فيه.

Image result for ‫قمة سنغافورة‬‎

مظاهر الطعن في نتائج قمة سنغافورة وأسبابها

    إن ذلك نجده فيما كتب السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن على موقع «تويتر»: «الأمر ليس مفاجأة لأحد، فكوريا الشمالية استغلّت رئيسنا لحملتها الدعائية. نال كيم تنازلات فورية من دون أن يلتزم بشيء ملموس في المقابل. من المقزز رؤية ترامب يتخلّى عن حلفائنا في كندا ويشيد بكيم ويحيي جنرالاته».

كما أن عدم رضا الصحافة الأمريكية على الاتفاق، وتهكمها عليه، يظهر فيما ذهبت إليه الكاتبة الصحفية آن أبلباوم، في مقال نشره الإصدار الأمريكي الأشهر «واشنطن بوست Washington Post» إلى أن الوثيقة التي خرجت بها القمة، ليست ضمانة لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، مضيفة «هذا يعني أن المفاوضات الآن ستتواصل بشأن المفاوضات».

في حين كتب الصحفي ديفيد أيكس في صحيفة «ذا ديلي بيست The Daily Best» أن الاتفاقية «السنغافورية» لا تلزم مطلقًا كيم الامتناع بشكل تام عن السلاح النووي، بل ورأى أن كيم جونج أون تفوق على دونالد ترامب، وذلك لأن الرئيس الأمريكي، بحسب قوله قد فضّل الثقة في كلمة الزعيم الكوري الشمالي، عن التوصل إلى اتفاق واضح بشأن نزع السلاح النووي كاملًا، وينقل الصحفي على لسان خبراء أنه على الرغم من تدمير جزء من موقع التجارب النووية الرئيس، إلا أن كوريا الشمالية يمكنها أن تستأنف بسهولة تطوير الأسلحة النووية.

أما في «ذا نيويورك تايمز The New York Times» فكتب نيكولاس كريستوف مرجحًا أن يكون ترامب قد خُدع في سنغافورة، وأنه قدم تنازلًا ضخمًا بإيقاف التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، وأسبغ بذلك، في الوقت ذاته، الشرعية على كيم جونج أون، وزاد على ذلك بأن الرئيس الأمريكي اعترف بكوريا الشمالية كقوة عظمى مساوية، ومنحها ضمانات أمنية مقابل تأكيد كيم ببساطة بأنه «متمسك بنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية»، وهو الموقف الذي رددته بيونج يانج مرارًا منذ عام 1992.

  ويواجهنا سؤال هنا؛ لماذا كل هذا السخط في الدوائر الأمريكية على قمة سنغافورة؟! ألم تنزع تلك القمة فتيل حرب نووية كانت في حالة نشوبها ستدحرج لتشمل اليابان والصين وروسيا وما يعنيه ذلك من كارثة مهولة؟!

  في تقديري أنه لا يمكن فهم ذلك السخط والهجوم على قمة سنغافورة ونتائجها، إلا بالانتباه إلى أن الهدف الأمريكي الأصلي لم يكن يومًا نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية فقط، بل كان الهدف الأساسي دائمًا هو تفجير نظامها وإزالة دولتها من الخريطة، وما حدث في سنغافورة، من منح كوريا الشمالية الاعتراف بل وضمانات أمنية هو خطوة للوراء وتراجع عن مسألة إزالتها، حتى لو كان التراجع مؤقتًا.

  وإذا كان ما نطرحه هنا صحيحًا، فلماذا يتراجع ترامب، ولو بشكل مؤقت، عن هدف جوهري واستراتيجي للولايات المتحدة؟! هل هو غبي وجاهل كما يحاول خصومه ومعارضوه تصويره؟!

أسباب التحول الأمريكي ناحية كوريا الشمالية

  في تقديري أن الدولة الأمريكية تكشف منذ زمن عن انشقاقات في خياراتها الاستراتيجية، حيث لم يعد الخلاف داخل بنية تلك الدولة حول التكتيك الذي يجب اتباعه من أجل تنفيذ استراتيجية معينة تنال اتفاقًا عامًا، بل إن الأزمة الممتدة والمستمرة التي تعيشها الولايات المتحدة، وتفجر التحديات الداخلية والخارجية بما يضرب في أساسها البنيوي، جعل الخلاف يمتد وبتعمق بين أجنحة تلك الفيدرالية ليصل إلى الاستراتيجية التي يجب اتباعها لمواجهة تلك التحديات. فعلى سبيل المثال، بينما يجد جناح حاكم في روسيا العدو الذي يجب وضعه في قلب منصة التنشين، نجد جناحًا آخر يظهر مع ولاية ترامب يرى أن التحدي الروسي تحدٍّ ثانوي، وأن الخطر الأكبر يجيء من استنزاف أمريكا اقتصاديًا، وأن هذا يعني أن المصير السوفيتي يمكن أن يكون على الأرجح هو المصير الذي ينتظر الولايات المتحدة!

  إن المصير السوفيتي كان قوة عظمى مدججة بالسلاح حتى أسنانها لكنها مفلسة اقتصاديًا، ذلك ما أدى إلى الانهيار الدرامي للاتحاد السوفيتي، وهو ما ينتظر الولايات المتحدة إذا ظلت تمشي في نفس الطريق الذي تمشي فيه حتى الآن، كما يرى ترامب وجناحه. هذا الجناح يرى أن التحدي الأول الذي تواجهه الولايات المتحدة هو تحد اقتصادي بالأساس، فبعد حرب باردة طويلة خرجت منها منتصرة لكن مرهقة حتى النخاع، دخلت أمريكا في مغامرات عسكرية سواء في أفغانستان والعراق، كانت تكلفتها تريليونات من الدولارات، والعائد لم يغطِّ التكاليف بأي شكل كان.

إن وباء الانتحار يجتاح الولايات المتحدة، فكل 13 دقيقة ينتحر واحد من مواطني الولايات المتحدة الأمريكية. وسبق أن سجلت مثل هذه المؤشرات المرعبة فقط في فترة الكساد العظيم. الباحثون يعزون الأسباب إلى أزمة «الأرستقراطية العاملة». فمنذ العام 2001 وحتى 2012 أغلق في البلاد 42400 ورشة ومصنع، وتم تقليص 5.5 مليون وظيفة في الإنتاج.

فقدان عمل بمرتب جيد لا يعني بالنسبة للبروليتاريا الأمريكية مجرد الفقر إنما فقدان إثبات الذات ومعنى الحياة. ومن هنا معاقرة الخمر وتعاطي المخدرات ووباء الانتحار. لذلك يرى ترامب وجناحه ومن يعبر عنهم، أنه حان الوقت لكي تكون حسابات الاقتصاد والمال فوق وقبل أي حسابات أخرى، وحان الوقت لكي يتحمل الحلفاء والأصدقاء نصيبهم من التكاليف والأعباء، وحان الوقت للمواجهة والضغط على الطرف الذي يسعى لوراثة الولايات المتحدة اقتصاديًا، الطرف الصيني!

  في الجزء الثاني لهذا المقال سنرى كيف أن الصين، وإيران أيضًا، قد شكلتا دوافع رئيسية وراء اندفاع أمريكا ترامب تجاه كوريا الشمالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد