تفكُّر التفكُّر

يصمُّ آذاننا ويذهل عقلنا كثرة ما نقرأ ونسمع دائمًا أقوالًا من قبيل «منْ قَالَ فِي القُرآنِ بِرأيِهِ، فَلْيَتَبوأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»1، «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ»2، « قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي»3، «من تفلسف تمنطق ومن تمنطق تزندق»4، «النقل مقدم على العقل»5، «من لا شيخ له فشيخه الشيطان»6، «إن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه كالنبي عليه السلام مع أمته، ولا يحلُّ له مخالفته»7، الاجتزاء والتحريف في الاستشهاد بـ «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»8، «إغلاق باب الاجتهاد»، وغيرها الكثير من النصوص والفتاوى من سائر المذاهب ومختلف الطرائق الإسلامية، التي أنتجت مجتمعة بالاستناد إلى ممارسات الكثير من رجال الدين والمشايخ حولها مناخًا عامًا يحرّم التفكُّر ويحارب العقل ويحضُّ على التقليد والاتباع الأعمى.

إن هذا المناخ المختل أعطى الحق لكلّ مسلم يملك حسًا من المنطق والعقلانية أن يطرح أسئلة محقَّة:

س: إذا كان التفكر واستخدام العقل ليس من واجبات كل مسلم كما يستشهدون، فلماذا إذن أمر الله بالتفكُّر في كتابه العزيز في مواضع عديدة؟! «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ﴿٤٦ سبإ﴾».

س: لماذا حضَّ سبحانه على التفكر في كل شيء (الكون والمخلوقات، القرآن والآيات، العلاقات الإنسانية، الظواهر والأحداث، النفس وبواطنها..)؟ (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿176 الأعراف﴾ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿24 يونس﴾ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴿50 الأنعام﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿191 آل عمران﴾ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴿٨ الروم﴾).

ويبقى السؤال الأهم؛ ما معنى التفكُّر الذي أمرنا به الله، وما هو دوره وإلى أي شيء يقود؟

فكرةُ التفكُّر

ورد التفكر في التنزيل الحكيم بألفاظه ومرادفاته في ثمانية عشر موضع، كلها تحمل أمر الله للناس بالتفكُّر، إلا موضع واحد (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨ المدثر﴾). التفكر لغةً هو التبصر والتأمل في قضية ما، أما اصطلاحًا فيعبر عن الطريقة المهارية التي يختص العقل بها للقيام بعمله في سلسلة من العمليات الذهنية للبحث وقدح الفكر9.

إن المعنى المخصوص للتفكّر الذي جاء به القرآن لا يشير إلى عملية البحث عن أجوبة كما تشير إليه التفاسير، وإنما يشير حقيقةً إلى عملية البحث عن الأسئلة. أن تتفكّر يعني أن تمتلك الجرأة على الملاحظة والشك في النسق المعتاد المشاهد سواء للكون والخلق أو النص والأفكار، ثم أن تعرف بعد ذلك كيف تطرح الأسئلة حولها. أن تتفكر يعني أن تعرف كيف تسأل، أما الأجوبة فستكون في مراحل متقدمة لعمل العقل الذي سيتطور من خلال التفكّر، وهو ما أطلق عليه في القرآن مصطلح التدبر.

وبناء على ذلك، فإن التفكر ما هو إلا أسلوب ومنهج يتبع وليس نتيجة تُرجى أو غاية بحد ذاته، وبالتالي لم يعد هناك من مبرر لقصر التفكّر على رجال الدين أو من يسمى بالعلماء وحصره فيهم، طالما أنه وسيلة لتطوير الفهم والادراك وليس نتيجة لمن يملكهما ابتداءً. وإن الحقيقة القائمة على نصوص التنزيل الحكيم تقول إن الله قد حض وأمر عباده كافة دون تخصيص أو استثناء على التفكير في شتى مناحي الحياة والدين، لأن مراده سبحانه وتعالى من التفكُّر أوسع مما حصرت الأفهام فيه عبر التاريخ.

إن أهم المقاصد والرسائل التي يحملها أمر الله للإنسان بالتفكر وحضه على إعمال هذا الفعل في كافة شؤون الحياة وعناصرها، هو أن عملية التفكر بذاتها عملية محفزة ومطورة لمقدرات العقل، وبالتالي تؤدي إلى زيادة الوعي وتطوير منهج التفكير العقلي الذي يستخدمه المرء في سائر شؤون حياته. فالتفكر هو رياضة ذهنية يقوم المرء من خلالها بتنمية مهارات وقدارت (عضلات) العقل الفكرية للقيام بمهام عقلانية أعلى وأرقى. «إن التفكير عمل مهاري وليس صحيحًا أننا منحنا بشكل فطري القدرة على التفكير بوضوح وعقلانية دون أن نتعلم طريقة التفكير أو دون ممارسة ذلك»10.

لو أن التفكير كان أمرًا فطريًا في البشر حيث يتمايزون من خلاله كما يصور، لكان ذلك ظلمًا بينًا من الخالق للخلق، تعالى عما يصفون. إذ كيف يرميهم ربهم بتكاليف عقدية وتشريعية مناطها العقل والتفكر ثم يجعلهم فطرةً ليسوا سواء فيه. وإن شأن ذلك في الدين شأن حرية الاعتقاد، فلو كان الإنسان مسلوب الحرية في الاعتقاد لسقط عنه تكليفه، وكذلك لو كان المرء مسلوب القدرة في التفكر والتعقل لسقط عنه تكليفه أيضًا، وهو ما لا يتأتى إلا للمجنون فاقد العقل.

إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك منهج (الذكاء) الذي بواسطته تتطور مقدرات العقل ذهنيًا ومنهجيًا بشكل ذاتي. إذن لا حجة لإنسان على الله بأن يكون قد آتاه أقل مما آتى غيره من مقدرات الفكر، بل الحجة قائمة من الله على خلقه الذين آتهم نعمة العقل ولم يسع كثير منهم لتطوير قدراتهم العقلية والفكرية من خلال التفكر والتأمل، ليكسبوا بذلك قدرات ذهنية أكبر ومنهج تفكير عقلي أعمق. يقول توماس أديسون «تنطوي العبقرية على واحد بالمئة من الإلهام وتسع وتسعين بالمئة من الاجتهاد». لذلك كان أمر الله واضحًا مكررًا وشاملًا لكافة الناس بضرورة التفكر والتأمل وجعله منهج حياتي يومي في كل شيء، حتى لا تتحدد مقدراتهم العقلية وتتحجم عند حدود الوضاعة مما يجعلهم لقمة سائغة للجهل الذي سيفتك بهم استغلالًا على أيدي الفاسدين الذين يستخدمون مقدراتهم العقلية المتطورة في مجال المفاسد والشرور.

نهج التفكر

إن الإيمان هو العلاقة الأساسية القائمة بيننا وبين الله ولولا الإيمان لألغى وجود الله في تصوراتنا. لذلك ورغم أن الإيمان هو ظاهرة قلبيية مستترة إلا أنه سبحانه أمرنا بعبادات وشعائر ظاهرة نؤديها بجوارحنا لتساعدنا على الترقي في مدارك الإيمان، فهي ضرورة لنا لتطوير الإيمان داخلنا وليس حاجة ظاهرية لله بعباداتنا فهو الغني سبحانه عنها وعنا. إن هذه العبادات متى ما فهمت على النحو الذي أراده الله بأنها قربة وصلة وتجسيد لمعاني القيم في الحرية والتواضع والشكر والتشارك والرحمة تجعلنا على اتصال دائم بالله، وتعزز فينا قيم الإيمان وتحقق فينا معانيه. وهكذا يتمايز البشر فيما بينهم بدرجات الإيمان ليس بكثرة العبادات والشعائر وإنما بصدق الفهم لهذه العبادات وحسن أدائها، مما سينعكس حتمًا بصورة إيجابية على تعزيز الحالة الإيمانية والقيم السلوكية للمؤمن.

وعلى هذا الأساس يقوم التفكير أيضًا، فإن العقل الذي هو مناط الوعي فينا، إذا لم يترق بأسلوبه في التفكير ويتطور في منهجه المنطقي الذي يتبعه، ظل عقلًا متحجرًا متخلفًا جاهلاً لا يقدر على فهم واستيعاب مناط تكليف الخالق ولا مقاصد الباري في دينه، فيعجز عن القيام بواجبه في إقامة الدين في نفسه وتبليغ الرسالة لسواه. لأجل ذلك كانت (عبادة التفكر) هي الوسيلة التي أرشدنا الله بها إلى تنمية عقولنا وتطوير مناهجها في التفكر والتأمل وبالتالي الترقي في أسلوبها وقدراتها، الأمر الذي سينعكس حتمًا على حياتنا المعيشية والإيمانية فنكون أهل للاستخلاف الذي هو مقصد المقاصد. إن الشعائر هي عبادات الجوارح، والتفكر عبادة العقل، وكلها مؤداها الوصول إلى حقيقة الإيمان وإقامة الدين ومقاصده في الاستخلاف.

إن التفكر هو عملية قائمة على البحث عن الأسئلة الناقدة للظواهر والأشياء سعيًا للغوص في حقائقها، مستندين في هذا الغوص إلى وسائل التدبر والبحث العلمي في التحليل والتقصي والاستقراء والاستنباط، وهذي الأدوات والعمليات تنشأ لدى العقل وتتطور كلما زاد تفكرًا وبحثًا وتعلمًا. ولكن لا بد لهذه العمليات حتى تؤتي أُكلها أن تتم وفق مناهج التعلم الصحيح الذي جعله الله مبثوثًا في سائر آلائه وآياته المنظورة والمسطورة، في نسق ونهج إلهي إبداعي متناهي في الدقة واللطف يقود العقل تلقائيًا إلى بناء قواعد التفكير السليم شيئًا فشيئًا كلما غاص تفكرًا فيه. إذ إن آيات الله المبثوثة في النفوس والخلق والكون وتلك المسطورة في كتابه العزيز مبنية جميعها وفق قوانين وسنن إلهية محكمة الضبط، وتشكل فيما بينها منظومة فائقة الإحكام والتطور تكون ما يمكن تسميته (نظام برمجة إلهي) يقوم على برمجة وتشكيل عالم اللاوعي لدى الإنسان والذي ما هو إلا الذكاء الذي يتحكم بوعي الإنسان في عالم الواقع.

أمراض التفكر

إن أعظم سلاح يمكن أن يستخدمه الفاسدون والمستبدون في أي أمة ضد شعوبهم هو سلاح الجهالة. ولا يقصد بالجهالة ما يعنيه الجهل من عدم دراية المرء بمفردات العلوم وتفاصيل المعارف، بل لربما كان أهل الجهالة أحيانًا أكثر علمًا في مجال العلوم والمعارف من أهل الإيمان الحق. لكن الجهالة هي عملية تشويه طرق العلم والمعرفة وإبعادها عن التفكير والنقد لصالح التقليد والتلقين والحفظ. حيث إن هذا النهج الصوري في التعليم خلق ما يسمى بـ (النموذج الفكري أو الإداركي – البارادايم Paradigm) الذي يمارس هيمنته ضد حرية المرء في التفكّر حتى أمام نفسه، وبالتالي يقف ضد أي مخرجات إبداعية حرة لعملية التفكّر برمتها.

إن هذا التفكير الحر هو ما يعتبره الفاسدون في كل المجالات وبخاصة من رجال السياسة والدين تهديد صارخ لعرش سلطتهم وهيمنتهم. وقد وصف ربنا سبحانه وتعالى هذه الظاهرة بقوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد) حيث يشير جل وعلا في هذه الآية إلى نوعين ممن هجر عبادة التدبر للقرآن الكريم؛ النوع الأول هم الذين لا يتدبرون نهائيًا وهم المتبعون بلا بصر ولا بصيرة، والنوع الثاني هم الذين يتدبرون ولكن وفق نموذجهم الفكري الخاص (الباردايم) المقولب غير الحر وهؤلاء هم المقلدون بالبصر دون البصيرة، وفي كلا الحالين النتيجة ستكون واحدة، وهي تعطل عملية التفكر والتدبر الحر وبالتالي تشويه المخرجات وعدم فهم القرآن ورسائله الفهم الصحيح.

إن الاحتجاج الممجوج الذي أصم آذاننا به معظم المشايخ ورجال الدين، بأن إطلاق العنان للناس جاهلهم ومتعالمهم في الكلام في كتاب الله بحسب أفهامهم وأهوائهم هو تهديد لقدسية كتاب الله وتضليل للناس، ما هو إلا محض إدعاء في غير موضوعه وحجة تفتقر إلى أبسط مقومات الموضوعية. إذ إن الأصل أن التنزيل الحكيم هو رسالة سماوية من الله إلى خلقه مباشرة بلَّغها نبيُّه، فإن كان في هذه الرسالة علة تمنع الخلق من الفهم فقد قدح ذلك في أصل العلة وأسقط عنهم تكاليفها ابتداءً، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، إن إعمال الناس لعقولهم في كتاب الله ونصوص النقل على بساطة علمهم بالفقه والتراث مع حرية في التفكر والعقل، خير وأسلم على الدين الذي يخشى ضياعه المحتجون، من أولئك الإمعات الذين يلتهمون أساطين مجلدات كتب التراث والفقه ولا يخرج منهم إلا اجترار الكلمات والحروف في صورة مشوهة عن الأصل نفسه. وذلك أن النموذج الأول لن يأتي منه أي ضرر للدين، فكلام أحدهم لن يذكره أحد ما لم تؤيده الحجة والبرهان، أما النموذج الثاني فقد هدم الدين به أصلاً، حين قيل عنه الشيخ أو المفتي فلان وأصبح كلامه حجة حتى دون برهان.

ولعل أيضًا من أهم الأمراض التي تعطل وتحارب عبادة التفكر، هي الثنائية المتوهومة (العقل والنقل). إذ يصر معظم رجال الدين على وجود هذه الثنائية لتأكيد مذهبهم الفكري في اتباع والتقليد والمنافحة عنه ضد دعاة إعمال العقل في النقل. ولا أدري كيف تأتى لهم توهم وجود مثل هذه الثنائية الساذجة. إذ إن أبسط إنسان إذا تفكر وجد أن العقل الذي إدّعو أنه متمايز عن النقل في المرجعية والتي يجب تقديم النقل على العقل فيها، هو وحده (العقل) الوسيلة التي أدركوا بها النقل وفهموا معانيه، وإلا لو غاب العقل عن هذه العملية ما كان للنقل من وجود أساسًا. وذلك بناء على القاعدة الفقهية «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، فإذا فقدنا العقل فقدنا القدرة على التصور مطلقًا، وبالتالي لانتفى وجود النقل كليًا.

إن الإصرار الأعمى على توهم وجود هذه الثنائية لا غاية منه إلا خلق معضلات فلسفية متوهمة يقف أمامها البسطاء حائرين إذ فقدوا أدوات المحاجة فيها بعدما سلبوا حرية التفكر أمام النصوص ورأي العلماء، وذلك كله من أجل تجميد النقل وفرض الوصايا عليه بداعي حماية الدين من التحريف من جهة، والحجر على العقل بداعي حماية الدين من البدعة من جهة ثانية.

إن الثنائية الصحيحة التي يجب إدراكها، هي ثنائية (الخَلق والنَّقل). أما (الخَلق) فهي آيات الله المبثوثة في سائر موجوداته سبحانه والتي صممها وصنعها في جميع هذا الكون على اتساعه واختلاف مخلوقاته، وهي تشكل كتاب الله المنظور «الكون». أما النَّقل فهو آيات الله المنقولة بالرسل من الملائكة والبشر إلى سائر خلقه، وهي تشكل كتاب الله المسطور «الوحي». وكلا الطريقين (الخلق والنقل) (الكون والوحي) وجدا لهداية الإنسان العاقل إلى الله، ومساعدته على تلمس سننه ونواميسه في الكون والكتاب. فكان الأول (الخلق) كطريقة غير مباشرة والثاني (النقل) كطريقة مباشرة، وذلك للقيام من خلالها بواجب الاستخلاف الذي أراده سبحانه عندما رفع قدر الإنسان لأجله. لذلك كان التفكر هو الوسيلة لتلمس كلا الطريقين وتبين سبل الهداية فيهما.

مقاصد التفكر

بعد تحقق الإيمان بالله في قلب المرء وإعمار العقل بالفكر انصياعًا لأمره تعالى، تأتي مرحلة فهم الغاية والمقصد من هذا الأمر كله، وهذه المرحلة هي ما يعرف باسم «الشهادة». والشهادة هي منزلة أعطيت للناس الذين يبذلون حقيق الجهد فيما سنراه تالياً للوصول إلى هذه المنزلة ليكونوا مع النبيين (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿69 الزمر﴾).

إن الشهادة حقيقةً على خلاف ما تصور في كتب التراث والفقه الإسلامي بأنها «الموت في سبيل الله»، بل على العكس تماماً فهي «الحياة في سبيل الله»، إذ أن لفظ شهيد ومرادفاته وردت في القرآن أكثر من 160 مرة ليس فيها مرة واحدة تشير إلى من يقتل في سبيل الله، بل تشير جميعها في منظومة تراتيل ألفاظها المبثوثة في القرآن وفق سياقها إلى الحياة في سبيل الله وإقامة الدين وتبليغ رسائله. أما من يقتل في سبيل الله فقد أسماه الله بمسمى واضح لا لبس فيه (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُون ﴿154 البقرة﴾).

إن الحياة في سبيل الله هي أسمى الدرجات التي أرسل الله الأنبياء والرسل في سبيلها فكانوا على ما هم عليه من الإيمان منزلة لدى الخلق والخالق، وذلك نتيجة لقيامهم بمقتضى الدعوة إلى الله وإبلاغ الناس رسلات ربهم فكانوا شهداء الله على الناس. وهو ذاته ما يقع على عاتق الشهداء، إلا أنهم بشر بلا نبوة أو رسالة خاصة بهم، بل هم من اتبعوا الأنبياء والرسل وحملوا رسالتهم إلى الناس في كل زمان فكانوا شهداء لله والرسل على الناس (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴿78 الحج﴾).

وعلى ذلك فإن الشهادة هي القيام بمقتضى الدين وابلاغ رسالات الله إلى الناس، ولكن ذلك لا يتأتى ما لم يكن الإنسان أولًا من أهل التفكر الذي يبلغ به الفكر الصحيح، والذي يحتاجه إليه بدوره لبلوغ درجة الإيمان بالله عن بصيرة، ثم تأتي مرحلة القيام بمقتضى الإيمان بإقامة الدين في نفسه ثم في الناس وعلى بصيرة أيضًا، من خلال الدعوة إلى دين الله بالمثل والقدوة وإبلاغ رسالات ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

الخلاصة

يؤكد التنزيل الحكيم أنه لا يمكن لمؤمن أن يؤدي (عبادة التفكر) بحق إلا ويبلغ بفضلها مرحلة الشهادة على اختلاف منازلها حتى بلوغ درجة سيد الشهداء، «سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله»11، فالشهادة قائمة بالأمر والنهي وليس بالقتل كما يفسر مغالطة هذا الحديث دائمًا، وحمزة سيد الشهداء ليس لأنه قُتل بل لأنه أول من جهر بإسلامه ووقف بوجه قريش جهاراً نهاراً حين ضرب أبا جهل انتصاراً للرسول والرسالة، فكانت هذه الشهادة نقطة تحول في دعوة الإسلام كلها، وهي كذلك دومًا عبر التاريخ حين يقوم بها سيد شهداء جديد.

لذلك كانت عبادة التفكر «العبادة المحرَّمة» التي تم لأجلها ليُّ عنق كل نص ديني أو تراثي تأويلاً من أجل تعطيل هذه العبادة وتخويف الناس حتى من المساس بها، مستخدمين لذلك سائر الوسائل المعطلة للفكر، وناشرين مختلف أمراض العقل، ومضللين الناس من خلال ما تم تهيئته من قوالب معرفية معلبة ومناهج تعليمية مدجَّنة لا تسمن ولا تغني ولا تنتج إلا اجترار الماضي وإفرازات فكرية مشوَّهه لا تناسب واقع الناس لا زمانًا ولا مكانًا.

لأجل ذلك كلما ظهر فهم حقيقي وعلمي معاصر للقرآن والإسلام ينسف الفهم التراثي المحنط، طرح التسآل الآثم: مضت 1400 سنة بخير القرون ولم يخرج أحد بهذا الفهم إلا الآن؟!، فيتم بذلك التشكيك وربما التكفير لكل صاحب فهم حقيقي يقدم لدين الله وآياته نظرة علمية معاصرة مدعومة بالأدلة العلمية والبراهين من كتاب الله نفسه وليس من أي نص سواه. معطلين بذلك معجزة القرآن الخالدة بأنه رسالة إلهية تمتاز بثبات النص ودوران المحتوى، هذه الخاصية التي تجعل منه بصورة إعجازية حقيقية نصًا صالحًا لكل زمان ومكان.

لذا يلعب هذا الدور الإقصائي المعطل للعقل والتفكر معول الهدم للفكر الإسلامي، وقضبان السجن والتخلف للأمة، لأنه أدى إلى تعطيل وهجر معجزة هذا الدين (القرآن الكريم) لصالح ترسيخ نموذج فكري إدراكي مقولب لا يقبل إلا صورة محنطة لفهم القرآن غادرها الزمان منذ أكثر من ألف سنة وتخطاها المكان إلى أوسع من جزيرة العرب.

فهل كان لكل ذلك أن يكون لولا أن عرش سلطة رجال السياسة والدين الفاسدين لا تقوم أبدًا على رقاب شعوب تعبد الله بالعقل والتفكر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد