مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على أقوى أجهزة العلاقات العامة في العالم، ومنها خرجت لنا أبرز آليات عمل العلاقات العامة .

من منا لا يتذكر كيف صَنع الإعلام الغربي قاعدة طالبان إعلاميًّا، وكيف سُمح لصحافي غربي بإجراء لقاء مع زعيم القاعدة «بن لادن»، وكيف اعتــُـقل وسُجن صحافي عربي للسبب ذاته، ليكون تناقض القبول والمنع جزءًا من بداية صناعة قوة القاعدة، وربطها بالدول الإسلامية بمنظور العلاقات العامة.

ومن منا لا يتذكر كيف شيطنت الولايات المتحدة عبر شركة علاقات عامة كبرى النظام العراقي السابق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، وصوّرته كمدمر نووي وكيميائي يهدد العالم. فقبل حرب العراق بثمانية شهور ظهر داخل البيت الأبيض مكتب جديد، هو «مكتب الاتصالات العالمية» لتنسيق حملة العلاقات العامة استعدادًا للحرب، بالتعاون مع «مجموعة الاتصالات الإستراتيجية » وتتكون من مديري شركات علاقات عامة كبيرة في واشنطن. وخلال هذه الفترة خرج أول تصريح لدون بارليت، مسؤول الاتصالات في البيت الأبيض، قال فيه إن شركات العلاقات العامة التي ساعدتنا في حرب أفغانستان، تساعدنا الآن في حرب العراق.

بعدها الطفلة الأفغانية ملالا يوسف زاي وكيف تحولت إلى رمز لضحايا الإرهاب، ونادية مراد الفتاة الإيزيدية في الموصل، وكيف رُوّج لعملية اغتصابها وبيعها، رغم أحداث مماثلة كثيرة ومشابهة قامت بها قوات التحالف الدولي في العراق منذ 2003 وما تلاها .

القصد من هذه الوقائع هو التمهيد لما سيطرح الآن. كيف ولماذا تحولت إيران من دولة منهزمة في حربها مع العراق إلى دولة إقليمية كبيرة؟
عمليًّا إيران لم تخض أي حرب عسكرية يمكن أن تصنع منها دولة شبه عظمى في المنطقة، لكن صورتها التي بنتها أجهزة العلاقات العامة الغربية جعلت منها دولة قوية وكبيرة اليوم، رغم كوارثها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية.

من يراقب الأحداث المهمة التي جرت بين الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران داخل العراق يستطيع فك الشفرة.

أكثر من مرة خرجت القوات الأمريكية في العراق ببيانات تقول فيها إن إيران خطفت عددًا من جنودها في العراق، ويرجح وجودهم في إيران. وهنا تشكلت نواة صناعة رمزية قوة إيران كشيطان قوي عبر الإعلام الغربي.

في المقابل قامت القوات الأمريكية بعمليات دهم للقنصليات الإيرانية في العراق، وأعلنت عنها كنوع من الرد على القوة المتنامية لإيران. كما سمحت الولايات المتحدة لها بدعم وإنشاء مليشيات مسلحة أمام أنظارها في العراق، ضَربت بها في مختلف أنحاء العراق وخارجه، كما يحصل اليوم في سوريا.

في خضم الصراع المعلن للإعلام بين الدولتين على أرض العراق، يزور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد العراق في حماية القوات الأمريكية، وهنا سوّق الإعلام الحدث كتحدٍ دولي.

وعلى هذا المنوال سارت الأمور على مر السنوات، وصولًا إلى تاريخ بدء المفاوضات معها بشأن الملف النووي، وكيف أخذت تلك المفاوضات سنوات مع ما رافقها من تغطية إعلامية مستمرة ومكثفة لكل الاجتماعات، عززت من صورة إيران الذهنية التي هي هدف أجهزة العلاقات العامة الغربية في المنظور البعيد.

سلسلة منتظمة من التصرفات والمواقف نسجها بذكاء مختصون في مجال العلاقات العامة على مدى سنوات، جعلت من إيران طرفًا قويًّا في جميع أزمات المنطقة.

في الوقت ذاته لم يستثمر العرب خلال السنوات الماضية الإخفاقات التي حدثت في هيكلية بناء الصورة الذهنية التي يريدها الغرب لإيران.

الإعلام العربي أو الخليجي بالذات لم يوظف المواقف الإيرانية السياسية والدينية، التي لا يقبلها أي عاقل، لإجهاض صورة إيران لدى من يؤيدها أو يميل لها طائفيًّا أو ماليًّا.

حتى الأعمال التي صنفت «إرهابية»؛ والتي ترتكبها إيران في العراق وسوريا واليمن والبحرين والكويت لم توظف كمادة خام لضرب صورتها الوهمية كدولة قوية، بل وظفت توظيفًا خجولًا على عكس ما لو استخدمها متخصص في مجال العلاقات العامة لضرب أفكار وقيم وهمية، صممت خصيصًا لإيران.

ورغم أن الوقت لم ينفد لضرب هذه الصورة الذهنية التي أصبحنا نصدقها في إعلامنا رغم كذب جوهرها، فإننا لم ننسج حتى الساعة برنامجًا موازيًا يديره عرب من المختصين في مجال العلاقات العامة؛ لضرب هذه الصورة الذهنية التي تشكلت من جهات اتصال قادمة من اتجاه واحد هو الغرب، ولم يتحقق لها أي رجع صدى يفقد هذه الصورة مصداقيتها، ويجهض تلك المكانة المزيفة لها.

وهذا البرنامج لو كتب له أن يولد في وقت ما، سيتمكن العرب من فك صلة الإرهاب بالمسلمين، لأن إيران تمارس الإرهاب بأبشع صوره في المنطقة، ويدفع ثمنه العرب والمسلمون بسبب الصورة الذهنية الراسخة عنهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد