أدب المرأة العربية المعاصرة

المرأة التي توصف بأنها نصف المجتمع بقيت رهينة منزوية، حبيسة بيتها ومجتمعها فترة من الزمن، حتى تنبهت من غفوتها الطويلة، وفاقت من غفوتها، فجلست إلى جانب الرجل في المدارس والمعاهد، فتثقفت وأخذت من الحديث ما أضافته إلى زادها الأصلي الذي تزودت به في ربوع بلادها؛ فاقتحمت مسالك الحياة وخاضت معظم العلوم، وقد بلغت في ذلك بعض آمالها وحققت بعض الغايات الأدبية، لقد سجل التاريخ لبعض النساء العربيات مأثرًا ونبوغًا في فترات زمنية متقطعة فخلدت كتب الأدب والتاريخ ذكر العديد من النساء الأفاضل، أمثال الخنساء، وعائشة بنت طلحة، وولادة بنت المستكفي، ورابعة العدوية وغيرهن الكثير ممن لهن مشاركة في الرأي والأدب، ممن أرغمت الكثير من الرجال على احترامهن وتقدير مواهبهن، وأبرزت النهضة الأدبية المعاصرة نساء كان لهن ضلع في نهضة المرأة العربية وبلوغها المنزلة التي ظلت ترنو إليها من جدارة هذه المنزلة، والإنتاج الفكري والأدبي والمشاركة الفاعلة في شؤون المجتمع، فكان منهن باحثة البادية السيدة ملك حنفي ناصف، وعائشة التيمورية، ومي زيادة، وبنت الشاطئ، وأمينة السعيد، وسهير القلماوي، ووداد السكاكيني، ونازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي، وبشير بن مراد، وزعيمة الباروني وغيرهن.

من الخطأ الذي وقع لأكثر الذين كتبوا في تاريخ الأدب وأرخوا نهضة عصر الانبعاث، تأريخهم بدء النهضة الأدبية والشعرية ونشأتها في مصر، في حين أن بعض البلدان العربية لم تكن توجد فيه تلك الهوة السحيقة التي نقرأ عنها بين شعراء العصر، ومثلما كان لمصر شعراؤها وأدباؤها كان للشام والعراق، ولبنان، والجزيرة العربية، واليمن شعراء وكتاب لم يصل نتاجهم الفكري والأدبي والشعري في تلك الفترة؛ لظروف لا مجال لسردها، أما الحديث عن المرأة العربية، وهو مكمن ومربط الفرس في مقالنا، فقد برعت أسماء أنثوية في عموم الأدب والشعر أسوة بالرجال، لا تقل فكرًا وأدبًا وشعرًا.

أبكار السقاف وبداية النشأة            ​

​استقرت العائلة في مصر، وعاشت وترعرعت (أبكار السقاف 1913- 1989م) مع صخب الحياة السياسية والثقافية، ومرحلة صعود الثورة القومية العربية، وتنامي أفكار التحرر، وانتقلت الأسرة من القاهرة إلى الإسكندرية حيث يدرس الابن – مصطفي السقاف- في فيكتوريا كولج، وفي الرابعة عشرة من عمرها كاد القدر يسوق حياتها، وذلك حين تقدم لخطبتها الملك «إدريس السنوسي» وكان أميرًا آنذاك، إلا أنه لأسباب لا تعلمها أبكار لم يكتب لهذا المشروع النجاح، فالصبية منذ أن وعت عيناها أسرار الأبجدية وهي تقرأ بنهم في السياسة، والأدب، وعلوم الدين، والتاريخ. ومبكرًا أمسكت القلم لتكتب، وقد أثمرت رحلتها مع الكتابة 10 كتب تعد بكل المقاييس الفكرية إضافة نوعية الى المكتبة العربية، من بينها على سبيل المثال هذا السفر الضخم المعنون بـ«نحو آفاق أوسع» والذى أصدرته عام 1945، وكانت حينذاك في الثانية والثلاثين من عمرها، وحين انتهى الكاتب الراحل أحمد الصاوي محمد من قراءته، كتب عنه وعنها في صحيفة الأخبار قائلًا: إن هذه الكاتبة التي قرأت ألف كتاب وكتاب لتضع كتابها «نحو آفاق أوسع» جديرة بالبحث والتأمل جدارة مؤلفها الضخم.

الأديبة المهملة والمنسية

إلا أنها أحد أهم وأبرز تلك الأسماء التي تعمد البعض تجاهلها وعدم الإشارة لها في نبوغها ونتاجها الفكري والأدبي، الذي يوازي تلك الأسماء من فطاحل النساء الأديبات العربية.​

يشعر من يطلع على كتابات الكاتبة المصرية الحضرمية الأصل أبكار السقاف بعبق تاريخي؛ نظرًا لأصالة وغزارة الإنتاج الفكري الذي كتبته ولم يطلع عليه أغلب المثقفين والقراء، لقد رحلت عنا بهدوء قبل حوالي ثلاثة عقود، تاركة مجموعة من الكتب ذات العمق الفكري غير المتوقع، جرأة، وأسلوبًا وخيارات تنبئ عن وضوح فكري عن كل كتاباتها. فقد مارست الكتابة مدة تجاوزت نصف قرن، كرستها في تأسيس بحوث مرجعية، ويعجب المتابع كيف غابت كتابات هذه الكاتبة الكبيرة التي تناولت أكثر الأمور حساسية وجرأة لم يتعوّدها المشهد الأدبي بطريقة فريدة، وبلغة بليغة غابت عن المشهد الثقافي العربي منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي؟​

ولا غرابة أن يتجاهل المشهد الثقافي المصري أديبة أثرت المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والكتب التي لم تَر النور حتى اليوم​.

كيف لا تهمل وتركن جانبًا وعميد الأدب العربي «طه حسين» أنكر أي دور لشعراء اليمن في العصر الجاهلي، بل لا وجود لشعر في اليمن في كينونته، وفكره، وأدبه، وإنما هو شعر منحول نسب لليمن والجزيرة. وأبكار السقاف من خاصرة جنوب الجزيرة العربية، وحاضرتها الثقافية، والأدبية، والعلمية «حضرموت»، ومهما كانت الأسباب وراء التعتيم على رحلة أبكار السقاف مع الفكر والأدب، فعلينا أن نزيح غطاء النسيان عن تلك الكاتبة الكبيرة، ونعاود قراءتها من جديد بتمعن أكثر، ليس من أجل رفع بعض الظلم الذي لحق بها، بل لفتح رافد مهم سوف يثرى الثقافة العربية.​

لقد ساهم المثقفون ممن اطلعوا على كتابات أبكار السقاف – مع الأسف- في إبقاء الكاتبة الكبيرة في نطاق النسيان خارج الذاكرة، فلم يكتبوا عنها، ولم ينقدوا نتاجاتها، ولم يساهموا بتعريف القارئ بهذه القامة الثقافية، فقد نهل من كتبها خليل عبد الكريم، ونصر حامد أبو زيد، وفرج فودة، وأصدر سيد محمود القمني كتاب «الحزب الهاشمي» معتمدًا بشكل كبير على كتابها الدين في شبه الجزيرة العربية، ولم يكتب عنها، كم نحن بحاجة كبيرة للتعريف بكتابات لأبكار السقاف، ولو بعد أكثر من نصف قرن على صدور أكثر كتاباتها، ممن عرفوا أبكار السقاف على المثقّفين والكُتّاب الباحثين في تاريخ وفلسفة الأديان، وكاد الحظ يُنبئ لها بقدرٍ وافرٍ من التحقّق والشهرة لولا أن اسمها وأصلها الذي يعود لحضرموت وشبه الجزيرة العربية الذي ينتسب إليها أيضًا الكاتب الكبير علي أحمد باكثير، الذي حظي بالشهرة والتكريم اللائق بعكس أبكار السقاف، التي أهمل إنتاجها وكتبها ولم تحظ بتلك الشهرة التي تستحقها ككاتبة، كما لم تنل «السقّاف» من الشهرة ما نالته نظيرتها «مى زيادة»، رغم أنها تُعدّ إحدى تلميذات عباس محمود العقاد، ومع ذلك احتفظت بمهارة بلاغية في الصياغة والخطاب، بحيث ربطت الأدب بالمنهج العلمي.

قالوا عن أبكار السقاف

فقد وصفت الفنانة ضياء السقاف شقيقة أبكار الصغرى قائلة: «إن أبكار ولدت وفي يدها القلم، ولم نرها يومًا تركته لسبب من الأسباب ولم يمر يوم دون أن تكتب».​

وقال عنها ذات مرة الأديب والمفكر عباس محمود العقاد، وهو المعروف بآرائه الشديدة تجاه المرأة: «إنها امرأة بـ10 رجال».

وقال عنها الباحث مهدي مصطفى «لم يشأ القرن العشرون أن ينتهي حتى يدهشنا بالمخبوء في أحشائه، وكأننا على موعد مع المفاجأة، إذ يتم تقديم – روح الحياة- أبكار السقاف إحدى الكاتبات التي تم غيابها زمنًا طويلًا وهي تستحق أن تكون في المقدمة، وعلى رأس كوكبة من المفكرين».

وقال محمود أبو العيون سكرتير الأزهر في ذلك الوقت.​

«عاصرت واحتكت بالعديد من المثقفين، وكانوا على معرفة بها وبإبداعاتها المختلفة، كالعقاد، وصالح جودت، ونجيب محفوظ، وأنيس منصور، ومحفوظ الأنصاري، ومحرم كمال باشا – عالم الآثار- وأحمد الصاوي محمد الذي كتب عنها».

ويقول الكاتب «مهدي مصطفى»: «والعجيب أن أبكار السقاف التي نضجت تمامًا في أربعينيات القرن الماضي، مع نضج العقل المصري والعربي، غابت بالرغم من حفظ التاريخ لكل الحركات السرية الثقافية وغير الثقافية، حتى الهامشي منها، مثل جماعتي (الخبز والحرية)، و(الفن والحرية)، والجماعات الأقل شأنًا، وهو موقف ما يزال غامضًا تجاه مفكرة في حجم أبكار».

​المفكرة أبكار السقاف

ربما عندما نحاول البحث المشهد الثقافي النسوي العربي سنجد اسمًا لشاعرة، وكاتبة، وروائية، وقاصة، وحتى ناقدة وفنانة، ومطربة، وتشكيلية، لكننا بالكاد نعثر على تأنيث لكلمة مفكرة التي تربعت على عرشها دون منازع السيدة أبكار السقاف، فقد اجتهدت وبحثت في الفكر الديني، وتاريخ الأنبياء، وكبار المتصوفة، وخاضت في تاريخ الأديان بعمق، وفكر وهدف، وسلاسة أدبية وعلمية بحتة، يستطيع الباحث وطالب العلم أن يغرف وينهل منه كمصدر لدراسته وبحثه؛ ليتعمق في مفاصله ويطور في بعضه الآخر. لقد نشأت أبكار السقاف في مرحلة الوعي التحرري وبدايات إرهاص لثورة الاستقلال الوطني، من بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، حينما طرح عدد من الساسة والمفكرين والكتاب الصحافيين الأفكار التحررية، والوطنية، والقومية، بطريقة جديدة وحديثة، وبرزت أسماء تصدرت المشهد الثقافي العام في مصر «طه حسين- توفيق الحكيم- عباس العقاد- حسين فوزي- علي عبد الرازق» وكثير غيرهم، وبدل أن تتلقفهم حركة التحرر الوطني التي قادها فيما بعد الضباط الأحرار لإكمال المشروع التحرري، حدث العكس، عندما عملوا على تجميد الواقع الثقافي، ووقفوا ضد تحديث الفكر العربي والإسلامي. ​

إذن ما السر في أن تلقى كاتبة ومفكرة بحجم أبكار السقاف في دائرة النسيان والإهمال؟ هل هو الجهل بتلك المؤلفات ومنجزها الفكري الذي ما زال بعضه في دهاليز الهيئة منذ ما يقرب من النصف قرن؟ أم هنالك أشياء أخرى، أبكار التي كانت تربطها علاقات قوية برموز الثقافة في مصر، كعلاقتها الوطيدة بالأديب الكبير «العقاد»، الذي كان قد انتهى من مراجعة كتابها الذي أثار نوعًا من الجدل «نحو آفاق أوسع» عندما سألها: أنت أبكار اللي كتبت هذا الكتاب؟! أجابته: نعم. فقال: لا بس أنت جميلة قوى أبكار؟! ولبى سريعًا دعوتها على الشاي في منزلها، إذن لماذا لم تحظ أبكار وهذا حجمها بما حظيت به الكاتبة «مي زيادة» التي لا تتناسب كتاباتها مع ضآلة ما خلفت من إبداع، ربما على هيئة الكتاب أن تنفض الغبار عن بعض من إبداعاتها وكتبها التي لم تَر النور حتى اليوم ،حين تعيد إصدار مؤلفاتها.​

مؤلفاتها

1- السهر وردي​.

2- الدين في الهند والصين وإيران.​

3- إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة.​

4- الدين في شبه الجزيرة العربية.​

5- الحلاج.​

6- الدين في مصر القديمة.

7- همسة في أذن إسرائيل باللغة الإنكليزية. ​

8- محمد النبي، لم ينشر بعد.​

9- المسيح، لم ينشر بعد.​

10- النبي موسى، توفيت قبل إتمامه.​

11- مقدمة اللغات، لم ينشر.​

12- أصداء متفرقة، قدم له الكاتب مهدي مصطفى.​

13- الليل والقلم، شعر لم ينشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد