شاركتم فى الجزء الأول من هذا المقال تفاصيل رحلتي الجميلة والممتعة مع مبدعة ومرشدة عظيمه تعرفونها جميعًا وتعرفون اسم أشهر إبداعاتها (قواعد العشق الأربعون)، إنها النادرة العجيبة إليف شافاق، وكم كانت صحبتها مثيرة وغريبة! دعوني أستكمل معكم رحلتي التي بدأتها في الجزء الأول بصحبة المعلمة الرائعة ودروسها العميقة المؤثرة.

1- خالق واحد وعالم واحد

في قونيا الجميلة التسامح والتعايش في أبهى صوره، فحتى العالم المسلم تزوج من امرأة صالحة على دين المسيح. امرأة نقية جميلة تدعى كيرا، فكانت نعم الصاحبة المحبة الوفية الصادقة، فالصلاح والصدق والعفاف صفات إنسانية، ولا تقتصر على المسلمين وحدهم دون غيرهم، بل هي صفات الإنسان النقي المعتدل في كل زمان ومكان وأرض.

وهناك العوام المطحونون في هول الحروب، والخائفون من أخطار الغد، والمترقبون للأحداث، والهامسون بالأسرار، والمتداعون للثورة والتجمع مع كل حادثة أو استثارة أو تسخين. هم الجمهور دائمًا، المشجعون دائمًا، المتفرجون دائمًا، المترقبون دائمًا، والمتكلمون دائمًا.

فقدت مرشدتي وسط الزحام، وهي العارفة بدروب قونيا وأهلها، وجلست في أحد الشوارع لا أعرف لغة الناس، ولا أعرف أين أذهب، ويبدو أن حالي رق له بعض المارة، وكانت أهداهن كيميا الفتاة الصغيرة التي عرضت استضافتي في بيت سيدها، فهو يؤي أمثالي من عابري السبيل التائهين. فمشيت معها واكتشفت أنها مع حداثة سنها تحب العلم والاطلاع لما زرعه أبواها فيها منذ صغرها، لقد قالا لها إنك ستصبحين عظيمة، ولا سبيل لذلك إلا بالعلم والقراءة والتعلم، ولا سبيل لذلك إلا بمعلم صادق حكيم أمين. فدفعوا بها إلى العالم الجليل الرومي؛ فأحسن تربيتها وتعليمها، وأحسنت هي؛ فاستجابت وتعلمت؛ فكانت نعم التلميذة لخير معلم.

وبينما أن أستمع لكلمات كيميا وصوتها العذب لمحت وجه مرشدتي الرائعة، السيدة إليف، أين أنت؟ كدت أفقد الأمل في لقياك ثانية! تحدثت إليها فرحًا بلقياها، ردت علي: لا تقلق سأجدك دائمًا لأكمل الدرس، لن أتركك حتى تتعلم كل ما تريد. شكرًا معلمتي وسيدتي، كم أنت طيبة ومتفهمة.

2- إلى نورثامبتون

انطلقنا سويًا إلى محطتنا التالية إلى نورثامبتون، وهي مدينة في غاية الروعة، فهناك عرفتني على صديقاتها، إيلا وعائلتها الوادعة التي تملك كل شيء جميل، لكنها كانت تفتقد الحب. علمتني معلمتي ومرشدتي أن الحضارة الحديثة تعطي الإنسان كل ما يريد وكل ما يتمنى إلا أنها لا يمكنها أن تعطيه الحب والسعادة.

إيلا تلك المرأة الحالمة الهادئه التي تواجه أزمة منتصف العمر وعواصفها وأعاصيرها، ولا ينقذها من هذا الخضم إلا القراءة. لقد ألهمتها القراءة، وعلمتها وكانت كشعاع النور وسط الظلام الكثيف. لا طريق هناك إلا ما أضيء بهذا الشعاع من المعرفة والقراءة والاطلاع.

اسمع جيدًا أنا أقرأ منذ كنت في الثامنة من عمري، وأنا أرى كل الدنيا من خلال ما أقرأ، السيدة إليف تخاطبني، الآن أدركت سر حكمتك وروعتك وعلمك وخبرتك كم هو الفرق كبير بيننا فرق عقدين من القراءة والتعلم ليعطى فرقًا قرنين من الخبرات والمعارف أعتقد أن ذلك يوصف المسافة بينى وبينك سيدة إليف. نظرت إلي قائلة: لا تصدر أحكاما ولا تصنيفًا حتى على نفسك.. يمكنك أن تتعلم وتقرأ، فليس العلم حكرًا على أحد، وأنا هنا لأعلمك.. صدقت معلمتي.

3- عزيز زهار

من نورثامبتون إلى أمستردام، وهناك تعرفنا إلى عزيز الذى عاش حياة مستقرة ووادعة حتى تقلبت الأيام وماتت زوجته التي أحبها كثيرًا؛ فأكب على المخدرات والموبقات فأدمنها وعايشها حتى الثمالة.. أصابته لعنة السقوط والتردي في دروب الشهوات والهوى. أحس بالخواء العاطفي يعصف بروحه وعقله، وبالعذاب يملأ حياته، وكلما استزاد من حاجات جسده كلما زاد ألمه وعظمت تعاسته؛ حتى تعرف على الإسلام فتحول من ملحد إلى مسلم، وتعلم أن الدين هو نقاء القلب، وهو الحب لكل الناس، فانطلق في حياة مليئة بالحب والعطاء، يساعد الأطفال الفقراء في كل أنحاء العالم، ويعمل للخير ويخالط الصالحين.

أن السيد عزيز يشبهني كثيرًا؛ فقد تعلم من شمس كثيرًا، وأحبه وقدره، تمامًا يا معلمتي وأنا أيضًا أحببت شمس، فمن يراه يحبه ويقدره، كم هو محظوظ محبوب من كل الناس! صمتت معلمتى قليلًا، وبدا عليها علامات الحزن والأسى حتى أن لمحت عيناها تلمعان بدموع محبوسة؛ وتنهدت قليلًا، وقالت: لا ليس صحيح مهما بلغ الإنسان من الصلاح والتقى والسلام والحب سيجد له أعداء حقًا. لا تنتظر أن يحبك كل البشر، فالشر موجود دائمًا وهو يكره الخير، ويحقد عليه، بل يقتله أيضًا. ألم يقتل قابيل هابيل! ألم يحاول مشركو قريش قتل الرسول صلى الله عليه وسلم! هكذا دائمًا الأشرار في كل زمان ومكان، متربصون بالأخيار وحاقدون عليهم. صدقت سيدة إليف صدقت، يا رب كم هو مؤلم هذا!

4- لنفترق

الآن علي أن أرحل. لماذا يا معلمتي؟ هل أغضبتك في شيء؟ ألم تعديني أن نزور الكثير من البلدان، وتخبريني أن مئات الدروس ما زالت في جعبتك وستعلمينني إياها؟ سيدة إليف.

انشغلت عني السيدة إليف قليلًا، وأخرجت من حقيبتها الأنيقة كتابًا أنيقًا، وقال بصوت واضح وحازم اسمع جيدًا الآن جاء دورك، لا تنتظر من معلمتك أن تعلمك كل شيء. ستجد في هذا الدليل تفاصيل بقية رحلتك إلى أي المدن ستذهب، من ستقابل هناك، ماذا ستتعلم. اتبع الدليل جيدًا وستحصل على ما تريد، لكن تذكر أنه يجب أن تتعب وتعمل وتذهل جهدًا، حتى تتعلم يجب أن.. وصمتت قليلًا.. ثم أردفت: يجب أن تقرأ.

ودعت معلمتي وشكرتها شكرًا جزيلًا، وتعهدت لها أن أقرأ دليلي بحرص، وأن أجتهد لأتعلم منه وأستفيد.

وبدأت أطالع الدليل، كم أنت عظيمة يا معلمتي! لقد كتبتِ كل شيء، كم أنت رائعة! كل التفاصيل هناك، كل الدروس التي تحتاجها لحياتك، إنها قواعد، والسلام، والتعايش، والإنسانية، والمساواة والعدل والأمل.

لقد كتبت معلمتي ما لا يمكن وصفه، أو اقتباسه، أو تلخيصه، أو تمحيصه تلك الصفحات القليلة. وكأن من تمام فضلها وجمالها أن كتبت لي إهداءً في آخر الكتاب، وأخبرتني أن أهديه لكل من أراد أن يرافقها في رحلة مماثلة، وأن يتعلم، وأن يعرف أسرار الحب، وأسرار الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!