«إن إسرائيل وُجدت لتبقى، ولها الحق في أن تعيش داخل حدود آمنة، وإن البحرين ودولًا عربية أخرى تريد التطبيع معها»، هذا ما أفضى به وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة لصحيفة (تايم أوف إسرائيل)، على هامش الورشة الاقتصادية (السلام من أجل الازدهار)، التي عقدت في فندق (الفصول الأربعة) بالمنامة الأسبوع الماضي، في حفل زفاف لم يسجل فيه مشهرو العقد أو شهوده أي حضور يذكر، ولم يخول أي قريب أو بعيد بالولاية على مصير الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة.

تصريح الوزير البحريني التي تتبنى بلاده مقاربة ترمب الجديدة لتسوية القضية الفلسطينية لا يبتعد كثيرًا عن المواقف العربية عامة والخليجية على وجه التخصيص التي تهرول للارتماء في أحضان إسرائيل والتطبيع معها، وإقامة تحالفات دفاعية لمواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني، والتصدي لموجات التغيير والاحتقان المتزايد بين أنظمة الاستبداد وشعوبها الباحثة عن الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

سياسيًا ونفسيًا يمكن قراءة تصريح الوزير البحريني وفق حالة الإحباط والحرج، والفشل في إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن مبدأ الأرض مقابل السلام كأساس لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والقبول بالمال مقابل الاستسلام كمرجعية بديلة تريد إدارة ترمب الإنجيلية المتطرفة فرضها على الطاولة بالقوة، رغم رفض روسيا والصين والأمم المتحدة ومعظم الدول الأوروبية محاولة ترمب القفز على حل الدولتين واجتراح مقاربات جديدة لا تعالج جذور الصراع ولا تنهي مشكلة الاحتلال.

إذا كان الفلسطينيون جادين في تسوية قضيتهم من وجهة نظر ترمب وصهره جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد فريدمان وبقية طاقمه السياسي والأمني، لا ينبغي عليهم التفكير في دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حتى وإن قبلت بعض الأطراف الفلسطينية أن تكون منزوعة السلاح. كذلك عليهم القبول والتسليم بالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، ولا عودة للاجئين الفلسطينيين، ولا انسحاب أو تفكيك للكتل الاستيطانية التي ابتلعت مساحات شاسعة من الضفة الغربية.

وفق المقاربة الترمبية الجديدة تقدم دول الخليج والولايات المتحدة والدول الأوروبية وبعض مؤسسات القطاع الخاص للفلسطينيين ما يقارب 50 بليون دولار بشكل تدريجي لمدة عشرة أعوام؛ لتنمية المناطق الفلسطينية في غزة والضفة من أجل توفير مليون فرصة عمل، وإقامة المشاريع التنموية، وربط غزة والضفة بمنافذ تجارية على غرار ما عُرف بالممر الآمن الذي أقيم بعد اتفاقية أوسلو وفق بروتوكول إعادة الانتشار والترتيبات الأمنية.

هل مفهوم السلام الاقتصادي جديدٌ على القضية الفلسطينية؟ منذ الانتفاضة الأولى، وفي ظل المشاهد الأسطورية للشعب الفلسطيني الثائر بكل شرائحه وأطيافه وقطاعاته طرح وزير الخارجية الأمريكي (جورج شولتز) تصورًا جديدًا لإدارة ريغان لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مفاده: «تحسين جودة حياة الفلسطينيين بدلا من التجاوب مع مطالب منظمة التحرير الفلسطينية إذ ذاك، بالاعتراف بها ممثلا للشعب الفلسطيني وكطرف له حقوق وطنية». لكن هذا المشروع الكارثي لا يعني حلًا للمعضلة الفلسطينية، ولا تسوية لجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقدر ما يحمله من المراوغة الأمريكية، والتحيز المطلق للعنجهية الإسرائيلية، وإفلاس المرجعيات الدولية في إجبار الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب إلى حدود الخامس من حزيران عام 1967، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

وفي عام 1993 عرض أخطبوط السياسة الصهيونية شيمعون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) النظرية الإسرائيلية الجديدة التي تتبنى السلام الاقتصادي مدخلًا لدمجها في البيئة الإقليمية من أجل الهيمنة على موارد المنطقة بحجة أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس أكثر حدة من الحروب التي نشبت بين دول أوروبا في الماضي، حيث يقول: «يجب اجبار العرب علي سلام مقابل المساهمة في تطوير القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية كمحفزات لقبول (إسرائيل). هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم ذات سوق مشتركة وهيئات مركزية مختارة، على غرار الجماعة الأوربية»، (بيريز، ص، 62-6).

وتلى توجه شيمعون بيريز الجديد الخطة الاقتصادية التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو في عام 2008، عندما كان رئيسا للمعارضة»، لافتًا إلى «أن المفاوضات الاقتصادية والأمنية يجب أن تُجرى قبل العودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة». وبحسب مقترح نتنياهو يجب تطوير الاقتصاد الفلسطيني، وتحسين البنية التحتية، ورفع مستوى الرفاهية في المناطق الفلسطينية كبديل عن المفاوضات مع السلطة الفلسطينية التي يجب العمل دون الرجوع إليها أو التنسيق معها. يقول بنيامين نتنياهو في معرض التأطير لخطته الاقتصادية: «يرتكز السلام الاقتصادي على قوتين هما: الأمن الإسرائيلي وقوى السوق. ليس الحديث عن مبادرات ودعم أموال للبيروقراطية الفلسطينية التي تضخمت منذ أوسلو. يجب علينا خلق جزر من الازدهار الاقتصادي وقواعد من الأمل بديلًا للإسلام المتطرف».. لا بد أن تستغل إسرائيل غياب الشريك الفلسطيني كما يدعي نتنياهو لفرض السلام الاقتصادي، ودعم ازدهار موهوم للمناطق الفلسطينية، وتصفية قضية اللاجئين بحل الأونروا التي تحمل رمزية اللجوء والتشرد.

واستمرارًا في طرح المعالجات الاقتصادية بديلًا للحل السياسي الشامل قدم كيري عام 2013 خطة اقتصادية في إطار ما يسمى (بناء الثقة) من أجل إعادة إحياء عملية السلام، وذلك عبر إزالة بعض الحواجز العسكرية، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع نطاق سيطرة السلطة؛ لاسيما في المناطق المصنفة «ج» (وفق اتفاق أوسلو 1993)، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال المعتقلين قبل أوسلو. كما تتضمن الخطة ضخ أربعة بليون دولار من الاستثمارات في الأراضي المحتلة لزيادة الناتج المحلي، والتخفيف من حدة البطالة، والارتقاء بمستوى الرفاهية للإنسان الفلسطيني. إلا أن رؤية كيري الاقتصادية هذه لا تضمن وقف الاستيطان ولو مؤقتًا، ولا تهيئة الأجواء لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فضلًا عن الوضع النهائي للقدس الذي ترفض إسرائيل طرحه على طاولة المفاوضات.

الخطير في النسخة الاقتصادية هذه المرة التي تطرح (السلام من أجل الازدهار) خيارًا للحل أنها أكثر تطرفًا وراديكالية من جميع العروض الاقتصادية السابقة، فهي من ناحية لا تحمل أي مضمون سياسي على الإطلاق، ولا تعترف بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني التي نصت عليها جميع المواثيق والأعراف الدولية، وأي حديث بأن الحوافز الاقتصادية مقدمة لحلول سياسية هو مجرد استهلاك للوقت وبيع للأوهام. ومن ناحية أخرى يبرز في حيثيات برتوكول عقد ورشة التطبيع المجاني أن الإدارة الأمريكية الجديدة تتعامل بفوقية وازدراء للمظلومية الفلسطينية، وتمارس سياسة الالتفاف على عقد أي مؤتمر دولي لإنعاش عملية السلام، وتقطع الطريق أمام أي مبادرات غير أمريكية تتبنى حل الدولتين، وتحاول إجبار الطرف الفلسطيني على قبول الاملاءات حتى لو كانت من خلال ورشة عمل اقتصادية هزيلة تغدق عليهم المليارات مقابل سرقة أرضهم ومصادرة ممتلكاتهم وتدنيس مقدساتهم.

المسألة الأخرى التي لا يجادل فيها عاقلان أن النية الإسرائيلية والأمريكية تتجه في الوقت الراهن إلى تحويل القضية الفلسطينية وبشكل تدريجي ومدروس إلى أزمة إنسانية ومعيشية تسقط عن كاهل الاحتلال الإسرائيلي أي مسؤولية سياسية أو قانونية، وتحقن النزيف الأخلاقي لهذا الكيان الذي يمارس الإرهاب والقتل والتمييز العنصري بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.

ومنذ التقاء قطبي اليمين المتطرف في إسرائيل والولايات المتحدة بدأ التوجه الفعلي لخصخصة القضية الفلسطينية من خلال التواصل مع رجال الأعمال وطرح الخطط الاستثمارية لتكون فيما بعد بديلًا للسلطة الفلسطينية التي تحاول إدارة ترمب ازاحتها من الواجهة والنيل من سمعتها.

أسدل الستار عن ورشة المنامة التي قاطعها الشعب الفلسطيني رسميًا وجماهيريًا مقابل حضور شبه رسمي لإسرائيل التي رحبت بعقدها في ظل الضربات الاستباقية التي تعرضت لها القضية الفلسطينية بسحب ترخيص ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، والاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وتجفيف منابع تمويل الأونروا لتصفية قضية اللاجئين. لكن هل تجاوز الانتحار العربي الراهن القضية الفلسطينية وأضحى قطار التطبيع المجاني هو الشغل الشاغل للقيادات العربية الباحثة عن إسرائيل لبقاء عروشها وحل أزماتها العضوية المركبة؟ تقول نوعا لانداو الكاتبة الإسرائيلية في مقالها بصحيفة هآرتس: «إن مؤتمر المنامة هو أكبر لقاء تطبيعي يعقد في السنوات الأخيرة بحضور شخصيات عربية وإسرائيلية، وسط مقاطعة السلطة الفلسطينية والجهات الرسمية الإسرائيلية، وقد يؤسس لإنشاء تحالفات إقليمية تحت الطاولة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد