سفينة حائرة بين الأمواج، بحر هائج وغيوم مظلمة، والموت قريب من الجميع، وأنا بينهم.

إن اختيار أي الطرق عليك أن تسلك في هذا الموقف لأمر دقيق، حياة أو موت، نجاة أو هلاك.

جمهور السفينة من البحارة والركاب قتلوا القبطان، قبل هبوب العاصفة في جريمة بشعة لا يقرها أي عرف أو دستور أو قانون. نعم كانت هناك أصوات كثيرة جهرت بالرفض وقالت إن اللعنة ستحل على السفينة لكن لم يكترث أحد وسيطر القتلة على مقاليد الأمور فوق ظهر السفينة وعينوا القرصان ليقود المركب ناحية جزيرة غامضة يريدونها تقول الأساطير إن بها كنوزًا قد الدنيا. لكن لم يسبق لسفينة ذهبت إلى هناك أن عادت مرة أخرى، كلها اختفت أو غرقت. وأنا لا أريد هذا المصير من أجل السعي وراء أسطورة.

جلست مع نفسي لكي أتخذ القرار وأحل هذه المعضلة الفلسفية. أرجو أن تساعدوني أنتم أيضًا فربما أنتم أيضًا على ظهر سفينة قرصان مثلي تمامًا .

تحدثت على ظهر السفينة مع من أثق بهم فسألت شيخًا صوفيًا وفارسًا شجاعًا وفيلسوفًا أفلاطونيًا وتاجرًا من اليمن؛ وكانت تلك إجاباتهم عن ما يجب عمله حيال تلك الورطة.

طريقة التسليم القدري، قال لي الشيخ الصوفي إن القرصان انتصر على القبطان لأنه أقرب إلى الله ولو ظهر أنه عدو الله القاتل فلا تعلم سريرته ولا ما بينه وبين ربه وهو حاكم متغلب وجبت طاعته وإنما انتصر لحكمةٍ فاسمعوا وأطيعوا، فإن هلكنا وغرقت السفينة فهذا قدر الله وإن نجونا فهذا قدر الله وما علينا إلا أن نجلس صابرين محتسبين مستغفرين ربنا. ونستغل تلك الدقائق الباقية في التسبيح والاستغفار والتأمل في ملكوت الله والأعمار بيد الله. لم يعجبني كلامه فتركته وانصرفت.

طريقة الحل الديمقراطي، قال لي الفيلسوف الأفلاطوني إن الحل هو أن ندعو القرصان علانية إلى تحكيم رأي الأغلبية والنزول عليه، فإن كان الرأي هو استمراره حاكمًا والتوجه لجزيرة الموت الغامضة فلنمتثل لرأي الأغلبية. قلت له أنا وأنت نعرف أن أغلب الركاب لا يريدون تلك الكنوز الوهمية ويريدون فقط النجاة والعودة لبر الأمان. ولكن القرصان سيزور الانتخابات ويروع الركاب ببحارته الأغبياء ويظهر أنهم كثرة ولئن أظهرنا له أنفسنا فإنه قاتلنا لا محالة. وأن الانتخابات يجب أن تتم في جو من العدالة وليس مع قتلة ولصوص مجرمين أمثال هؤلاء. لم يعجبني كلامه فتركته وانصرفت.

طريقة الفارس الشجاع الوحيد، قال لي الفارس لا يفل الحديد إلا الحديد ويجب مواجهة القرصان ومباغتته هو وبحارته المجرمين والسيطرة على المركب وقيادته إلى بر الأمان، وفي الميناء نسلم من بقي من البحارة بعد قتل من قاوم منهم إلى قاضي المدينة العادل. أعجبني الكلام وقلت له كم يلزمك من الرجال والسلاح؟ قال لي هم خمسة عشر بحارًا وقرصان واحد وبالمركب تسعون راكبًا غيرهم منهم الأطفال والنساء والشيوخ، لكنني أقدر أنه على الأقل هناك ثلاثون رجلًا يصلحون لحمل السلاح لن أغامر بالحرب عليهم إلا ونحن اثنا عشر رجلًا شجاعًا، حينها نؤدي ما علينا بشجاعة وثبات وأما النصر فمن عند الله. أما السلاح فقد خبأت بندقيتين وخنجرًا وأول ما نقوم به هو فتح مخزن السلاح في قبو السفينة فنحصل على كل العتاد ونباغت العدو. قلت له أنا طوع أمرك. فقال لي إذن اذهب فجند الرجال ولا تتكلم إلا مع الثقات وحافظ على السرية واحذر أن ينكشف أمرك. وموعدنا عند اكتمال الرجال.

طريقة الهرب عبر قارب النجاة

تركت الفارس وتجولت في المركب أتفرس وجوه الركاب وأنظر فيهم. ترى بأيهم أبدأ حتى أخبره بخطة الفارس وموعد القتال. فرأيت تاجرًا يمنيًا يجلس في انعزال وأنا أعرف بأس أهل اليمن وحكمتهم فتوسمت فيه أن يكون معنا أنا والفارس وبقية الرجال. فتوجهت إليه وسلمت عليه ثم سألته أن أخبرني ما رأيك في ما آلت إليه الأحوال على ظهر السفينة. فقال لي لعنة الله على القرصان والبحارة الأغبياء خربوا السفينة وضيعوا علي رحلتي التجارية وقد أخسر بضاعتي المشحونة في قبو السفينة لكنني أراك رجلًا طيبًا وسأخبرك خطتي؛ سأحمل ما أستطيع من دراهم ذهبية هي بقية رأس مالي وسنتوجه وبعض التجار ليلًا فنفك حبال قارب النجاة الوحيد على المركب ونترك السفينة ونهرب. تعال معنا. قلت له لكننا بذلك نترك كل النساء والشيوخ والأطفال إلى مصير محتوم بالموت غرقًا قرب جزيرة الموت الغامضة دون حتى أي أمل في أي قارب نجاة. لماذا لا تأتي معنا أنا والفارس الشجاع نحارب القرصان وننقذ كل الركاب ونقتل كل البحارة مع القرصان وننقذ كل بضاعتك من الحبوب في قبو السفينة.

أخبرت الفارس بخطة التاجر فتأثر قائلًا أخلاق الفرسان تمنعني من ترك النساء والأطفال لكن ما العمل؟ لو لم نجمع ما يكفي من الرجال لكي نحارب كالرجال دفاعًا عن سفينة تحمل أرواحنا وأرزاقنا جميعًا.

بقي ساعات قليلة على الليل إما نجمع اثني عشر رجلًا ونستعد للقتال والنزال، أو سأهرب في قارب النجاة مع التاجر. أنا متردد جدًّا ومحتار، ساعدوني بالرأي والمشورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطرق
عرض التعليقات
تحميل المزيد