صاحبت ما أضحت تسمى بالعهدة الرابعة الرئاسية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أبجديات أحزاب المعارضة السياسية وعند نشطاء وناقمين ودعاة التغير الراديكالي لما يسمونه بالنظام الديكتاتوري البوتفليقي، وهي أيضًا العهدة الأولى في أبجديات أحزاب الموالاة من أنصار الدستور الجديد.

هذه العهدة صاحبتها موجة من الانتقادات اللاذعة والتي تجاوزت حدود الديطولوجيا السياسية، وأخرجت مظاهرات حركة بركات نموذجًا، وأثارت نقاشات حادة ومتشنجة في أحايين كثيرة لعل منبر قناة المغاربية المعارضة القريبة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ الحزب المنحل من أشد تلك المنابر إثارة للجدل.

بل إن العهدة الرابعة أو العهدة الأولى بمشاهدها وصورها ومحاسنها ومساوئها شكلت عند صقور المعارضة وثوريي الربيع العربي وأحزاب تناوئ الحكم في الجزائر وتريد رحيله بشتى الوسائل السلمية طبعًا، شكلت هذه العهدة عندهم وجهًا للديكتاتورية والطغمة العسكرية واللا ديمقراطية.

والسؤال الذي سنحاول الاقتراب للإجابة عليه في هذه المقالة هو، لماذا لا تقرأ العهدة الرابعة أو العهدة الأولى على المقلب الآخر؟

القسم الدستوري رؤية مغايرة؟

بمعنى لماذا لا يرى في مشاهد وصور هذه العهدة معانيَ أخرى كالرغبة في الاستمرار في تسيير دفة المشروع البوتفليقي ورؤيته في الحكم والحياة السياسية رغم المغوصات التي مست رأس المشروع عند مرضه، وصعوبات المواءمات الداخلية الجزائرية بين دفف القوى واللوبيات ومراكز إقليمية وخارجية.

مقلب آخر أريده في هذه المقالة أن يرى بمعانٍ من الالتزام الثوري والصمود النضالي لمن يعتبر من مؤسسي الرؤية البومدية للحكم، فلم ينسحب ربما وفق مقتضيات الديمقراطية العرجاء المرفوعة في العالم العربي والتي كانت تنبأ في مطالع العقد الأول من الألفية الجديدة بفوضى عارمة كتبت مخاطرها تقارير بلدان عريبة جارة للجزائر مثال تونس وليبيا.

فلم يرَ في هذه العهدة أية شجاعة وإن كانت تضم معانيَ للشجاعة والوطنية غفل عن قراءتها ربما، كالقسم الدستوري الذي شهده المترشح حينها عبد العزيز بوتفليقة أمام المجلس الدستوري الجزائري، صورة معبرة رغم ما طالها وهي من المشاهد التي لم تقرأ على كنهها فاكتفوا بالشكل وأهمل الكنه، الذي غطته فوضى وأحلام باتت اليوم زائفة كانت تراود النخبة وأحزابهم.

قسم يحمل روح كنه من الثورة والشجاعة فرغم المرض ورغم الوضعية الحرجة التزم المترشح الذي صار رئيسًا عبد العزيز بوتفليقة بإلقائه وقوله أمام كاميرات الإعلام بلا حرج ولا ريبة. وفي مكاشفة واضحة وكان التعب والمرض يكادان يصرخان وأشياء أخرى. فلمَ لا يقرأ أنه كان إصرارًا التزاميًا بمعاني الجمهورية والضوابط الدستورية، وما أردت قوله في هذه المقالة لماذا لم تقرأ تلك المواقف والمشاهد والصور على هذا المنظور وهذه الاعتبارات المتفائلة وقرأت شكليًا.

وإن مختلف المشاهد والصور والتعليقات والكتابات والنقاشات والتبادلات الحوارية على شاشات عربية وأجنبية كانت تحفر في المخالفات الدستورية والاغتصاب الديمقراطي على مقاسات تنظيرية بحتة، أو مقاسات أوروبية خالصة وهي جميعها كانت متجاوزة للواقع والظروف الجزائرية التي صاحبت العهدة المثيرة للجدل بوصفيها الرابعة أو الأولى. قد نسيت فيما أريد قوله معاني كانت تتخفى خلف التهم في حب السيطرة والديكتاتورية والأسرية وكلها تسقط أمام المسارات التي تلت العهدة نفسها وتصريحات نائب القائد العام للجيش أن الطابع الجمهوري للدولة تركة الشهداء.

صور ومشاهد.. شكل وكنه؟

كان المترشح عبد العزيز بوتفليقة في عهدته هذه قد أثار غيابه عن مضمارات الحملة الانتخابية تساؤلات واشتدت الانتقادات، فيما كان ظهوره على الكرسي المتحرك صدمة لم يستوعبها أنصاره قبل خصومه، لكن ما تلا كان مفسرًا لما أحاول توصيله في هذه المقالة عن المعاني الأخرى التي يجب أن تقرأ الآن.

فالغياب والكرسي المتحرك لا يلغي النية الصادقة والرغبة في الاستمرار إلى آخر المطاف في خدمة سياسية وسط توافقات ووفق ما يراه وأنصاره السياسيون الأكثر حضورًا.

فالغياب الانتخابي في الحملة أعطى للتكاثف والتضامن السياسي ضمن كتلة أحزاب الموالاة فسحًا من التقارب وتبادل الانشغالات تحت سقف البرنامج الرئاسي المتفق عليه مما عزز الانتماء الوظيفي الحزبي ضمن التباينات الفكرية للأحزاب وقوى الاستقرار. وإن الكرسي المتحرك لماذا لا يقرأ أنه شدد من العزيمة في التعالي على الشكل إلى ما هو عميق ومستقبلي في بناء الدولة ضمن المبادئ الجمهورية.

لأن التجربة الرئاسية الجزائرية التي تناولت فترات سابقة كانت قاسية قليلًا فلم يغنِ الحضور الجسدي المستمر في فتح نوافذ إلى الأمل أو المستقبل أو الاستقرار الأمني. وإن الشيء الذي حققته العهدة الرابعة أو الأولى في تمكينها من الاستقرار الأمني بإشادة الغرب والتفكير في الانتقال من الريع إلى الاقتصاديات الأخرى رغم العثرات، وفي مكاسب استراتيجية كالمصالحة الوطنية وبعض من حرية التعبير ومحاولات محتشمة في فتح نوافذ الأمل رغم المغوصات بما يمنح الزمن الجزائري.

سنحاول قراءة الصور والمشاهد من هذه العهدة الرابعة أو الأولى وفق قاعدة الشكل والكنه، ربما تفيد في إجلاء بعض الضباب الذي يراكم الآراء ويسجن الانفتاح على بوابات الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد