فيروس نقص القناعةِ المُكتَسَب

إنَّ الرّاحةَ الّتي نحياها جزءٌ منْ توهّمِنا، أنَّ نقصًا ما قَدْ مُلِئ ولو قليلًا بما نطلب، فالحبُّ ليسَ حالةً مطلقةً، وكذلكَ الغِنى، والشَّبع، والعدالة، والاستقرار.

جميعها تشتركُ بكونِها سببًا منْ أسبابِ كفاحِنا للبقاءِ وللاستمرارِ في صياغةِ أساليبَ جديدةٍ للوصولِ إلى ما نصبو إليه، ولسدِّ هذه الفجواتِ.

كلُّ مرحلةٍ نمرُّ بها لحظة ضعفِنا لا تعبِّرُ حتمًا عنْ نوايانا أو مشاعرِنا، لا توجدُ في الرُّوحِ غايةٌ لا دافع خلفها، الشَّيء الّذي يفسِّرُ الوقوعَ في الحبِّ سريعًا عندَ الألمِ، واللّجوء إلى الأصدقاءِ عندَ الوحدة، أو الميل للعائلةِ عند الخذلان، والعودة للذَّاتِ عندَ الضَّياع.

صراعُ النّفسِ العقيمُ هذا غالبًا ما يُعطي الإنسانَ شعورًا بعدمِ الرِّضا عنِ النّتائج.

في الحبِّ مثلاً؛ البدءُ بتحكيمِ العقلِ عادةً ما يكونُ جزءًا منْ أسبابِ الابتعادِ والافتراقِ؛ حينها يصبحُ التّفكيرُ دافعًا منطقيًّا لختامٍ غبيٍّ لعلاقةٍ سطحيَّةٍ؛ فيوم يمتلكُ المرءُ فكرةً عنْ محيطِهِ وعنْ خياراتِهِ، تصبحُ دوافعُ البقاءِ ضئيلةً.

عقلانيَّةٌ تجرِّدُ الإنسانَ منْ إنسانيَّتِهِ وتجعَلُ مِنْهُ مردِّدًا؛ أنْ لا شيء سيُجبِرُ أحدَنا على عدمِ تغييرِ لوحتِهِ القديمةِ المُعلَّقةِ على حائطٍ ما في منزلهِ، حينَ يكونُ بينَ يديهِ معرضٌ كاملٌ منَ اللَّوحاتِ الجديدةِ؛ هذا لأنَّ شكلَ التَّلافيفِ العاطفيَّةِ الموجودةِ في أرواحِنا، يفرضُ علينا أنْ نتعاملَ مع كلِّ علاقةٍ على أنَّها وظيفةٌ شاغرةٌ، نبحثُ منْ خلالِها بشكلٍ متجدّدٍ عنِّ الشَّخصِ الأنسبِ.

إنَّ حجمَ وقساوةَ قهرِنا جعلَنا مهووسينَ بالأفضلِ، مأخوذينَ بالأكثرِ، ساعينَ بكلِّ ما نملكُ إلى ما لا نملكُ.

إنَّنا مَرضى نقصِ القناعةِ المُكتَسَب.

في ألمانيا؛ الوقتُ طويلٌ جدّاً، لكنَّهُ يمضي سريعًا، ومع ذلك؛ لا مهرب لكَ منْ نفسِك.

البيوتُ هنا جميلةٌ جدًّا، والشَّوارعُ نظيفةٌ بشكلٍ لا يومئ إلى أنَّ كائنًا ما هنا يستهلكُ هذه الأرض.

حينَ تسيرُ ترى نفسكَ داخلَ مشروعِ تخرِّجٍ لطالبٍ منْ كليَّةِ الهندسَةِ المعماريّة.

لا يعقلُ حجمُ التَّرتيبِ هنا، ولا حجم الرَّتابة!

إنْ تدقِّق في الأمرِ تلاحظ أنَّ كلّ الأشياءِ متاحةٌ للإنسانِ في هذه البلاد، كلّها بسيطةٌ وسهلةٌ وممكنةٌ، نحتاجُ فقط إلى أنْ نخطو الخطوةَ الأولى، لكي نبدأ، لكنَّ سؤالًا واحدًا يراودني دائمًا:

لماذا تكونُ أرواحُ السّوريّين مليئةً بالفوضى والعدميّة، وكلّ ما تراهُ وتفعلُه مبنيٌّ على أسسٍ وقواعدَ وجداولَ في هذهِ البلاد؟

ربَّما كانَتْ بلادُنا حالةُ تعبيرٍ ظاهرةٍ عنْ جوفِنا، ربَّما كانَتْ وسيلةَ تفريغٍ نفسيٍّ، يسعى النَّاسُ لخرابِها للحفاظِ على أنفسِهم منَ الخرابِ.

أسألُ نفسي، هلْ وصلنا لمرحلةِ أنْ تُصبحَ الأنظمةُ والقوانينُ مؤذيةً لنا؟

هلْ صرنا نهوى العبثيَّةَ والعشوائيَّةَ إلى هذا الحدّ؟

إنَّ الجوابَ السَّائدَ يفصحُ عنه نتاجُ الماضي، حينَ كانَ للنَّاسِ سبيلٌ لإطلاقِ الأذى والشَّرِّ والبؤسِ والكآبةِ والفوضى والضَّياعِ، والتّنصّلِ منها بكلِّ ما تشهدُ عليهِ مدنُ العربِ منْ خرابٍ في تلكَ الأيّام، يومَ كانَتِ المدنُ رسمًا توضيحيًّا لرّوحِ سكَّانِها، يستشفونَ بها؛ ولو قليلًا بالغروبِ عنْ أنفسِهِم، كانَتْ مخرجًا حقيقيًّا لمأساتِنا، كانَتْ مُتَنَفَّسًا لكبتِنا ولقهرِنا، كانَتْ أطباقًا نُسَرُّ لكسرِها حينَ نغضبُ، فنكسر المزيدَ منها كلّما شعرنا بالضَّغطِ والتَّوتّرِ وقلَّةِ الحيلةِ.

وقتها لمْ نكنْ نعاني الكمَّ الهائلَ منْ نواقصِ أرواحِنا، بحجَّةِ أنَّ ما ينقصُنا كانَ أكبر.

هلْ العيبُ فينا أمْ بالمدنِ الّتي سكنّاها؟

إنْ كانتْ بلادُنا وسيلةَ تفريغٍ كنّا نملكُها، لا شكَّ أنَّنا اليوم قدْ فرغنا منْ أنفسِنا ومنها.

كمْ منَ الوقتِ نحتاجُ لنلملمَ ذواتِنا، كمْ منْ فكرةٍ يجبُ أنْ تراودَنا كي نعي أنَّ سعادةَ الإنسانِ بقدرتِهِ على التَّعايشِ؟

مشكلةٌ عُظمى تكمنُ في الحنينِ إلى الماضي؛ حيثُ إنّنا حتمًا سنشتاقُ بعد عامٍ إلى حاضرِنا هذا الَّذي لا نطيقهُ؛ فلماذا نتوقُ إلى الماضي، حتّى ولو كانَ مرًّا وأسودَ؟

ربَّما لأنّنا ندركُ أنَّ كلَّ ما ننعمُ بهِ هنا ليسَ منْ نتاجِنا، ولا مِنْ نتاجِ مسيرتِنا في النِّضالِ؛ هذا الشَّيءُ الّذي يجعلُ الرّوحَ غير راضيةٍ عنْ أنْ تكونَ في مكانٍ ليسَ بمكانِها، حتَّى وإنْ كانَ هو ما تسمو وتصبو إليهِ.

النّاس تحبُّ أنْ تصنعَ الجنّةَ، لا أنْ تشتريها.

قدْ يبدو ظاهرًا أنَّ الغاياتِ المستحيلةَ والعصيّةَ أيضًا، إنْ نالها طالبُها، ولمْ تكنْ نتيجةَ مثابرتِهِ على الوصولِ إليها، فلنْ تحقِّقَ له الرِّضا والقناعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيروس
عرض التعليقات
تحميل المزيد