كان مقال «الجمهورية الرابعة؛ تصور لشكل الدولة المصرية بعد سقوط الانقلاب» فرصة لتقديم تصور عن الخطوط العريضة لشكل الدولة الجديدة عقب سقوط الانقلاب، وهو موضوع مهم، قلما تطرقنا إليه في كتاباتنا الخاصة بالشأن المصري.

لكن المقال احتوى أفكارًا عامة دار حولها نقاش، مما أنتج بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات بشيء من التفصيل، حول رؤيتي لما يجري، وما أعتقد أنه سيجري في مسار الأحداث.

لذا فإن هذا المقال يعد جزءًا ثانيًا للمقال الأول، وأستعرض فيه أبرز الأسئلة التي تطرح، والإجابة عليها:

هل سيبقى الوضع الحالي في مصر على ما هو عليه؟

تاريخيا يقدم الغرب على التدخل لحماية مصالحه منعًا للأمور من أن تتطور نحو نتائج غير مرغوبة، وعواقب غير مأمونة. ذكر ذلك الراحل الكبير محمد جلال كشك في كتابه ثورة يوليو الأمريكية، الفصل الثاني، حيث أورد تقارير من السفارة البريطانية في القاهرة إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن، قبل 1952، تشير بوضوح إلى نذر ثورة قادمة، لكن الأمريكان تدخلوا ونجحوا في توجيه الثورة في اتجاه معين.

وبنفس الطريقة تجد الولايات المتحدة – المسؤول الرئيس عن الجيش المصري منذ 1979 – نفسها مضطرة للتدخل قبل تدهور الأمور أسوأ من ذلك! فاستمرار السيسي بهذا الفشل المريع يشير إلى وضع قد لا تصبح الحكومة المصرية الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل قادرة على تأمين الحاجات الرئيسية للشعب أو دفع الرواتب، مما قد يؤدي إلى انفجار غير معروف النتائج!

ما عوامل التغيير المطلوب التي على الثوار امتلاكها؟

عوامل أي تغيير في المشهد خمسة:
1- السخط الشعبي 2- الكتلة الحرجة 3- الظهير السياسي 4- الضغط الاقتصادي 5- القوة الخشنة.

وتقريبا يملك مؤيدو الشرعية من هذه العوامل الأربعة الأولى، وينتظرون فقط القوة الخشنة التي يحتكرها الجيش وحده حتى الآن. (هذا بغض النظر عن رسالة يوسف ندا التي تحدث فيهم عن اتصال ضباط في الجيش به يعبرون عن غضبهم مما يجري، وهو ما لم يصدقه كثيرون).

وإذا كان ثمة تغيير قادم، ويريد العلمانيون أن يحجزوا لهم مكانًا في هذا التغيير، فإن عليهم أن يتملكوا جانبًا من هذه العوامل. وهذا سبب تمايزهم عن انقلاب السيسي الآن وإعلان اعتراضهم عليه، رغبة في استثمار السخط الشعبي والضغط الاقتصادي، لترميم مصداقيتهم السياسية المنهارة، بعد أن خانوا كل الشعارات التي رفعوها. لم يعودوا جزءًا من الثورة بتأييد الانقلاب، ولم يعودوا جزءًا من السلطة بخروجهم من الحكومة، ولم يكونوا جزءًا من المعارضة بعد حرمانهم من البرلمان!

هل ستعود الشرعية بالكامل؟

من غير المتصور كسر الانقلاب بدون عودة الشرعية، ممثلة في عودة الرئيس المدني المنتخب المفترى عليه د. محمد مرسي! لكن من غير المتوقع، وفق إمكانات الثورة الحالية،  أن تعود الشرعية بالكامل، بمعنى أن يعود الرئيس مرسي مسيطرًا كما يسيطر السيسي مثلا! هناك مؤسسات لم ولن تتعاون مع الرئيس مرسي، أو أي رئيس من خارج الدولة العميقة، والتخلص منها أو تطهيرها يحتاج إلى عمل شاق وصبر ووقت وأدوات تغيير كثيرة! أغلب الظن أن الشرعية لن تعود كاملة وأن الانقلاب لن ينكسر بالكامل أيضًا، لكن الحد الأدنى المقبول ثوريًّا هو رحيل السيسي بأي وجه، وعودة الرئيس بأي وجه، ولاسيما بالشكل الذي سنقترحه.

أي الأشكال ترجح: انتخابات رئاسية أم مجلس رئاسي أم انتخابات جديدة؟

إجراء انتخابات رئاسية يعني أن السيسي لا يزال رئيسًا، وأننا نطلب إليه أن يعلن عن انتخابات مبكرة، وهو شيء لم ولن يعترف به الثوار، كما أن الأجواء غير مناسبة لإجراء أي انتخابات، وسط حالة القمع والتوحش التي يعامل بها الأمن المواطنين!

وفكرة المجلس الرئاسي استهلكت وعرفت بأنها باب خلفي لتسلل رجال أمريكا من العلمانيين إلى السلطة، وتعطي من لا يملك ما لا يستحق! فمن سيختارهم؟ وكيف سيتم حسابهم؟ ما معايير اختيارهم؟ وما حقهم الأخلاقي والسياسي في الحكم؟

لا يوجد حل لهذا المأزق إلا عودة الرئيس مرسي لفترة انتقالية لا تقل عن 6 أشهر وحتى عام، يحاسب فيها كل المتلطخة أيديهم في الدماء، ويقود حكومة إنقاذ بنفسه، أو برئاسة من يختار، أو تتوافق عليه القوى المؤيدة للشرعية! وخلال هذه المدة يهيئ فيها الأجواء لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تتم بموافقات غير مكتوبة، بين الإخوان والعلمانيين، بأن يحدث اقتسام مناسب للسلطة فيها بين الطرفين، وكذلك الاتفاق على لجنة مشتركة لتعديل بعض مواد دستور 2012 المستفتى عليه وعرض التعديلات على البرلمان الجديد.

كيف ستتعامل الدولة الجديدة مع المخالفين في الرأي؟

كما ذكرنا في مقال «الجمهورية الرابعة، تصور لشكل الدولة المصرية عقب سقوط الانقلاب»،  فإن الجمهورية الرابعة تمر بمرحلتين:

  • مرحلة الحقوق الإنسانية: التي يتفق عليها جميع المؤمنين بالثورة، بغض النظر عن أيديولوجياتهم (مثل حرية التعبير – التداول السلمي للسلطة – الفصل بين السلطات – العدالة – القصاص … إلخ).
  • المرحلة الثانية: بعد بناء المرحلة الأولى أو بالتوازي معها، وهي إقناع عموم الناس بالحقوق الإسلامية؛ ونعني به تطبيق الشريعة الإسلامية التي تبدأ بتحرير القدس، وتنتهي بإقامة العدل في الأرض.

وفي كلتا المرحلتين (الحقوق الإنسانية – الشريعة الإسلامية) فإن الجمهورية الرابعة لابد وأن تضمن وجود معارضة، سواء من يعارضون الحكم الإسلامي، أو من يعارضون الفكر الثوري نفسه، لأن القاعدة تقول أن عدم السماح بوجود معارضة وطنية، سيؤدي إلى وجود معارضة غير وطنية.

لكن التغيير لابد وأن يكون حصرًا بالسبل السياسية، وبعيدًا عن الانقلابات العسكرية التي أؤكد لكم أن هناك من سيفكر في تكرارها مجددًا، كما حدث في سوريا وتركيا وشيلي وغيرها من الدول! لذا يجب أن يكون لهذه الثورة حرسها الثوري الذي يجعلها محصنة ضد أي انقلابات جديدة، وتحمي الشرعية التي تأتي عبر صندوق الانتخاب، ووفق الدستور المستفتى عليه، مهما كان توجهها السياسي!

ورغم كل شيء يجب أن تكون هذه الأسئلة وغيرها محل نقاش وحوار، وتعديل وتبديل، للوصول إلى الشكل الأمثل والأكثر واقعية للدولة الجديدة التي تحقق مطالب الثورة المصرية وطموحات أبنائها في العيش الكريم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد