أُعلنَ منذ قليل عن نتيجة المقعد الأخير في الانتخابات العامة في بريطانيا، 318 مقعد للمحافظين و262 مقعد لأقرب ملاحقيهم، العُمال. النتيجة التي لم يكن يتوقعها أشد المتفائلين في حزب العمال عشية إعلان رئيسة الوزراء عن دعوتها للانتخابات المبكرة. لكننا قبل الخوض في النتيجة، علينا أولًا النظر للوضع السياسي في بريطانيا قبيل هذه الانتخابات.

في الثامن عشر من أبريل الماضي دعت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لانتخابات مبكرة، في خطوة مفاجئة مليئة بالرهانات. الوضع الضعيف الذي كان قد وصل إليه حزب العمال المعارض أغرى السيدة ماي بتحقيق المزيد من المكاسب عبر الدعوة لانتخابات سابقة لموعدها بثلاث سنوات، حيث كان مقرر أن يتم دعوة الناخبين في عام 2020م. النظام البرلماني يسمح للحزب الحاكم بطلب حل البرلمان والدعوة للانتخابات المبكرة، رهان يستخدمه السياسيون في النظم البرلمانية في سبيل اقتناص مكاسب سياسية أكبر.

وعلى الرغم من أن السيدة ماي كانت قد صرحت في سبتمبر (أيلول) الماضي أن الانتخابات ستعقد في موعدها، وأنها لا تنوي الدعوة لأي انتخابات مبكرة، حيث إن حزب المحافظين امتلك في الانتخابات السابقة 331 مقعد، وهي أغلبية كافية لتشكيل حكومة، لم يحظ بها الحزب منذ عام 1992، إلا أن لذا السيدة ماي أقدمت على هذا الرهان للحصول على مزيد من المقاعد. المزيد من المقاعد تعني: حكومة أقوى؛ بالتالي معارضة أضعف، قدرة أكبر على تمرير المزيد من القوانين الجدلية، والأهم حرية أكبر للحكومة في البرلمان بشأن مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

لكن الموازين تغيرت تمامًا في أقل من شهرين، والحقيقة أن الحصان الأسود في تلك الانتخابات كان الرجل الستيني زعيم حزب العمال جيمي كوربن الذي نجح في قيادة حزبه في تقليل الفارق بين الحزبين. قدرة الرجل على جذب الفئة العمرية من الشباب أتت أٌكلها مرة ثانية، لكن هذه المرة في نطاق أوسع على الصعيد الوطني.

الحقيقة أن كوربن ظل لفترة – حتى بعد توليه زعامة الحزب – يُنظر إليه من كبار رجال الحزب بإنه ليس الرجل المناسب. حتى أن أعضاء البرلمان من الحزب وحتى عمدة لندن المسلم صديق خان، دعوا لاستقالته فرفض، ولكنه ذهب لانتخابات داخلية أيدته فيها القاعدة الشعبية للحزب، قاعدة أغلبها من الشباب، أغلبها ممن انضموا للحزب بعد توليه زعامته جاعلاً من الحزب الأكبر من حيث عدد أعضائه في أوروبا. هذه المرة استمر الرجل في رهاناته على الشباب و يبدو أن الأمر قد نجح بعض الشيء. صحيح أن الحزب لم يحصل لا على أغلبية ولا حتى أعلى عدد من المقاعد، إلا أن التفاصيل تبوح بغير ذلك.

لماذا تجعل هذه النتائج كوربن الفائز الأكبر؟

أولًا لما ذكرناه سابقًا، قدرته على تقليل الفارق الكبير في الفارق الزمني القليل و قبيل إنتخابات مفاجئة. أما ثانيًا مكاسب الحزب في بعض الدوائر التي نجح في انتزاعها من منافسيه، مقعد كانتربري مثلًا ظل محجوزًا للمحافظين منذ عام 1918 أي منذ ما يقارب القرن تقريبًا، لكن اليوم نجح العُمال أخيراً في انتزاعه. دائرة شيفيلد التي كان يمثلها نيك كليغ – نائب رئيس الوزراء عام 2010 – والذي يعتبر من الوجوه المألوفة لحزب الليبراليين الديمقراطيين، نجح العمال في الفوز بالمقعد عبر مرشح شاب من مؤيدي حقوق أصحاب الإعاقة يدعى جاريد أو مارا في مفاجئة ثقيلة في الانتخابات. ثالثًا نجاح كوربن نفسه في دائرته – أيزلنجتون – بأكبر نسبة لمرشح في تاريخها، بعد أن حصل 73% من الأصوات بواقع أربعين ألف صوت. أخيرًا – وليس أخرًا – في مكاسب السيد كوربن الفارق الذي نجح الحزب في تغييره، الحزب زادت حصته بثلاثين مقعد في تشكيل المجلس بعد أن كانت تشير التوقعات الأولى بعد الإعلان عن الانتخابات، أن الحزب قد يخسر مائة مقعد لصالح المحافظين.

من إذًا الخاسرون في هذه الانتخابات؟

تيريزا ماي الخاسر الأكبر

أن تكون زعيمًا لحزب حاصل على أغلبية مقاعد البرلمان بنسبة كافية لتشكيل حكومة أغلبية ثم خسارة تلك الاغلبية في الانتخابات قد تُضعف من موقف أي زعيم لحزب، ما يزيد الطين بلة أن يدفع طمعك أنت الحزب لخشارة أغلبيته تلك بالدعوة لإنتخابات سابقة لموعدها بثلاث سنوات، انتخابات قد يرى حتى بعض أعضاء حزبك حتى أنه ليس هناك أي داعي لها، لكن يبدو أن السيدة ماي لم تتعلم من درس سابقها السيد ديفيد كاميرون حين راهن بمستقبله السياسي حين وعد بإستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، بالرغم من أن البعض نصحه بالتريث، لكنه كان له ما كان، هذه المرة السيدة ماي كررت نفس الخطأ حين قررت الرهان يأغلبيتها في سبيل الحصول على المزيد من القوة السياسية. تراجيديا إغريقية في ثوب حديث عن طمع سياسي يلتبس بالبعض، حين يقرر أن يبحث دائمًا عن المزيد.

الحزب القومي الأسكتلندي SNP

في انتخابات عام 2015 نجح الحزب الأسكتلندي بالفوز بـ 54 مقعدًا من أصل 59، و هي كانت نتيجة كاسحة للحزب في أسكتلندا على حساب العمال والمحافظين، نتيجة جعلت من نيكولا سترجيون – زعيمة الحزب التي كانت قد تزعمت الحزب قبل تلك الانتخابات بعام واحد فقط – الشخص الأقوى في أسكتلندا، بل ربما كانت تلك النتائج عاملًا مساعدًا في دعم الحزب نحو المطالبة باستفتاء آخر للاستقلال.

لكن كل هذا تحطم في انتخابات عابرة، الحزب خسر 21 من مقاعده. الطامة الكبرى هي في الأسماء التي خسرت مقاعدها مثل أليكس سالموند – زعيم الحزب السابق – وأنجوس ربيرتسون – زعيم كتلة الحزب في البرلمان البريطاني – أسامي لها ثقلها داخل الحزب فقدت مقاعدها في أغلبها للمحافظين. حزب المحافظين الذي كانت نيكولا ستريجون قد صرحت سابقًا ضده بأنها ستفعل ما بوسعها حتى يفقد المحافظون الحكومة!

الليبراليون الديمقراطيون

صحيح أن الليبراليين الديمقراطيين لم يعودوا ذلك الحزب ذا ثقل كما كان في مطلع الحزب العشرين، إلا أن خسارة مقاعد من قِبل قادة في الحزب مثل نيك كليغ لم يكن متوقعًا، الحزب الذي لعب دورًا هامًا في تشكيل حكومة 2010 حين تحالف مع المحافظين وقتها لم يكن متوقعًا منه هذا الأداء الضعيف. ما يثير الضحك تصريحات الحزب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن الحزب لن يقبل اي تحالفات كما حدث في 2010، ما يبدو أنه غاب عن قادة الحزب هو أنهم حصلوا في انتخابات 2017 على اثني عشر مقعدًا فقط، في حين أن نصيب الحزب في 2010 كان سبعًا وخمسين مقعدًا.

من فاز إذًا بجانب السيد كوربن؟

الحزب الاتحادي الديمقراطي DUP

تخيل أن تكون قائدًا لحزب في دولة أوروبية حديثة، تمتلك مرجعية شبه دينية، شديد المعارضة لحقوق المثليين، معارض للإجهاض، ويمتلك عشر مقاعد فقط، لكنك تصبح المتحكم في استقرار الحكومة! هذا ما وصلت إليه اليوم السيدة أرلين فوستر، زعيمة الحزب الاتحادي الديمقراطي، الحزب الأيرلندي الشمالي المعارض للانفصال عن المملكة المتحدة والمؤيد للانفصال عن الاتحاد الأوروبي حصل على أعلى عدد من المقاعد المخصصة لأيرلندا الشمالية متفوقًا على حركة شين فين. فبعد أن أعلنت السيدة تيريزا ماي أنها ستتحالف مع الحزب الإتحادي الديمقراطي من أجل الوصول للرقم 326 – رقم الأغلبية الذي يسمح لأي حزب بتشكيل حكومة – أصبح استقرار الحكومة في لندن قائم على تأييد الحزب اليميني للحكومة، الأقسى أن يصبح هذا التحالف قائمًا على عبور الرقم الذهبي بواقع مقعدين فقط. وهو رقم هش جدًا قد تخسره الحكومة من حزبها الأساسي – المحافظين – إذا ما قدمت أي تنازلات للحزب الأيرلندي، خصوصًا ما إذا علمنا مثلًا أن السيدة روث دايفيدسون – زعيمة جناح المحافظين في أسكتلندا – مثلية وتدعم حقوق المثليين. تحالف هش أجبرت عليه السيدة تيريزا ماي، ويبدو أنها ستسير فيه مجبرة بانتظار ما ستفسر عنه الأيام القادمة.

الثعالب

الثعالب في بريطانيا أيضًا نالت مكاسب في تلك الانتخابات، ففي حين يؤيد المحافظون قانون يبيح رياضة صيد الثعالب مرة أخرى – وهي التي حرمتها حكومة عمالية بقيادة توني بلير – يعارض حزب العمال مثل هذه القوانين! مثل هذا القانون أثار الكثير من الجدل في الآونة الأخيرة، لكن نتائج الانتخابات الأخيرة ستستبعد أن تمر قوانين جدلية مثل هذه. حسنًا أعزائي الثعالب بإمكانكم أن تأمنوا، على الأقل حتى المدى القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد