تواجه الدولة العربية معضلات عديدة نتيجة التناقض البنيوي للتكوين الاجتماعي ومحدوديّة النظام السياسي وهشاشة المجتمع، نتيجة هشاشة الدولة وتكوينها، وهذا بدوره خلّف تحديات جمّة وأبرزها، عدم تكوين الدولة العربية في نظامها لتكون دولة جامعة لعموم مواطنيها، وتحولت إلى سلطة سياسية تمثل فريقًا داخل القطر دون تمثيل الآخر وتعتمد عليه في شرعيتها السياسية.

كما أن هذه الدولة فقدت شرعيتها السياسية والديمقراطية من المجتمع مستندة للاستبداد والدكتاتورية والعنف حتى تثّبت نظامها كبديل عن شرعيتها المفتقدة، فسيطرة نخبة صغيرة على قرارات الدولة يجعلها في صراع دائمًا مع المجتمع ويعرّضها إلى أزمات متلاحقة، عدا عن تحجيم دور المجتمع المدني بسيطرة الحزب الحاكم والمتغلغل في كافة وظائف الدولة السياسية والاجتماعية [1].

كذلك يشير عبد الإله بلقيز إلى أن الدول العربية تفتقد للسيطرة على مواردها وثرواتها سواءً الاقتصادية أو التجارية أو الزراعية نتيجة فقدانها للسيادة الشعبية والسياسية فبذلك تفتقد إلى قرارها الوطني المنسجم مع ظروف وطبيعة كل دولة [2].

ترجع تلك التحديات إلى حداثة ميلاد الدولة العربية غير المكتملة لإنشاء الدولة النشأة الطبيعية، إضافة إلى ارتباطها الكامل بالمستعمر وأنها لم تنفصل عن تاريخها السابق والموروث كدولة تقليدية سلطانية، فأضعفت التمثيل الاجتماعي المتمثل في العصبية.

وأبرز التحديات أنّ الدول العربية لم تستطع إيجاد الجماعة الوطنية الموحدة، فالقوميّون العرب ينظرون إلى الدولة وكأنها صنيعة الاستعمار ومهمتها تمزيق الأمة لأقطار متعددة، والتيارات الإسلامية ترى بأنها قامت على أنقاض الخلافة وأن شرعيتها مفقودة، والتيار اليساري يرى بأن الدولة ممثلة لصالح الطبقة البرجوازية [3]، والتيار الليبرالي يرى بأن الدولة الوطنية مشروعه وهو من أقامها وعمل على بنائها.

في حين أن التيار الليبرالي لم يستطع أن ينتج الدولة الوطنية بالشكل الذي أنتجته دول أخرى، ولم يستطع تعزيز مبادئ العدل والحرية والفشل في تعزيز الهوية الوطنية والاندماج الاجتماعي والوحدة، بل أصبحت الفجوة بين شرائح المجتمع تزداد ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، كما لم تفلح في معالجة الحكم السلطوي الدكتاتوري بل عززته، كذلك ازداد الفساد بشكل أكثر في الدولة القطرية، وكان تحالفهم مع الأنظمة العربية واضحًا وجليًا في عدة محطات لإقصاء الآخرين خاصة الاسلاميين الذين دومًا ما يحظون بأصوات شعوبهم.

لذلك فإن صراع التيارات في الدول العربية أدّى لعدم وجود نخبة سياسية موحدة ومعترف بها من التيارات سابقة الذكر كافة، فوجود رؤى مختلفة من القوميين الذين يرون أن الليبراليين يمثلون قوى معادية لوحدة الوطن العربي،  والإسلاميين الذين ينظرون إلى العلمانيين بأنهم محاربون ومناهضون للمرجعية الإسلامية، والماركسيين الذين لا يسعون إلّا للمطالبة بحقوق الشعوب المسلوبة من الطبقة البرجوازية.

بهذا التصور تم تعطيل الدولة الوطنية الجامعة، فتعطّلت مؤسسات الدولة الوظيفية وازداد العنف والصراع من قبل المؤسسة العسكرية لتثبيت نظام الحكم، وبذلك ارتهنت الدولة والمجتمع للقوى الغربية والتي باتت تتحكم في سياساتها واقتصادها ونخبها ومقدراتها وثرواتها.

في حين أن الأجهزة والمؤسسات في الدولة العربية هي مؤسسات النظام الحاكم وليست مؤسسات دولة، والمواطنة إما عِرْقيّة وإما حزبية، وذوبان الطائفة في الدولة والعكس، وذوبان الحزب في الدولة والعكس، والمؤسسات التشريعية شكلية دون تشريع لغياب دورها الحقيقي لسيطرة السلطة التنفيذية، وغياب دور القضاء الذي يمتاز بأنه مسيس من قبل النخب الحاكمة في النظام، والدساتير مصاغة بأفضل الصياغات وبأدق التفاصيل دون ترجمتها في الحكم وعلى الوقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- بلقيز، عبد الإله: الدولة والمجتمع جدليات التوحيد والإنقسام في الإجتماع العربي المعاصر.
2- المرجع السابق، ص 52.
3- المرجع السابق، ص 53.
عرض التعليقات
تحميل المزيد