سوق الحر؟

يقول الكثير من الناس وخصوصًا الاقتصاديين النيولبراليين: إنه يجب أن تكون الأسواق “حرة” ومفتوحة للجميع. فعندما تتدخل الحكومة لتملي شروطها وتحدد ما يمكن أن يقوم به التاجر أو المستهلك، يصبح من الصعب أن يستفيد المجتمع من الموارد التي لديه. لماذا؟ تخيل أن كانت لديك أفكار لمشاريع فيها الكثير من الربح ولكن الحكومة تتحكم في الأسواق وتسمح فقط لعدد قليل من الناس أن يدخلوا السوق، ألن تكون تلك طريقة لتثبيطك؟ بلا شك.

وبالتالي هناك أمثلة كثيرة عن تدخل الحكومات، مثلًا، إذا كانت الحكومة تضع سقفًا على إيجارات المنازل، يفقد الكثير من المستثمرين الدافع والحافز للاحتفاظ بممتلكاتهم ويصعب عليهم أن يستثمروا في مشاريع عقارية وسكانية أخرى. وإن كانت الحكومة تتدخل في أجور الشركات، عندها ستحاول الكثير من الشركات أن لا تعين عددًا كبيرًا من الموظفين. وإن تدخلت الحكومة في عدد الموظفين الذين يجب أن تعين كل شركة، تصبح هناك الكثير من الشركات التي تغير أماكن استثماراتها أو تحاول التقليل من استثماراتها المستقبلية، إن لم تبع الكثير من ممتلكاتها. يجب أن يترك الناس (التجار، الشركات… إلخ) ليختاروا بحرية كما يقول ميلتون فريدمان عن طريق كتابه “Free to Chose”.

سوق حر!

بالطبع لا يوجد شيء اسمه “سوق حر”! كل سوق لديه بعض القواعد واللوائح التي تحد من حرية الاختيار. السوق يبدو وكأنه “حر” فقط لأننا لا نقبل دون قيد أو شرط القيود الكامنة التي لا نستطيع أن نحددها أو نراها. مدى حرية السوق لا يمكن تحديده بطريقة موضوعيًا. هذا يعتبر تعريفًا سياسيًا مثل فكرة “حرية الرأي والتعبير” فالاسم غير المسمى. الادعاء المعتاد لدى الكثير من الاقتصاديين النيولبراليين هو أنهم يحاولون أن يحموا السوق من تدخل الحكومة أي السياسيين، وهذا ادعاء ليس صحيحًا. الحكومة دائمًا ومن حقها أن تعتني بالأسواق وهؤلاء الاقتصاديون مدفوعون سياسيًا مثل الكثير من السياسيين في الحكومة أو المعارضة. أن نفهم الأسطورة التي تقول أنه يمكن أن يكون هناك “سوق حر” هو من أول الخطوات كي نفهم الرأسمالية التي تؤصل لمفهوم اليد الخفية.

يد خفية؟

مفهوم “اليد الخفية” يكمن وراء النظريات الاقتصادية الكلاسيكية والنيوكلاسيكية، أي الكلاسيكية الجديدة التي تدعو إلى اقتصاد السوق الحر الخارج تمامًا عن تنظيم الحكومة. باختصار، تقترح نظرية السوق الحر أن العرض والطلب في الأسواق غير المنظمة يصل إلى حالة من التوازن حيث يتم تحقيق أقصى قدر ممكن من الخير الاجتماعي.

هناك الكثير من الانتقادات لتلك النظرية الاقتصادية التي لا تأخذ في الحسبان العوامل الخارجية مثل قوة الطرفين أي المنتج والمستهلك، أو الآثار الجانبية مثل التلوث، التي يتحملها المجتمع بأكمله وليس فقط المنتج أو المستهلك. المشكلة الأكبر من وجهة نظري في تلك النظرية أنها تفترض أن السوق يتمتع بمنافسة قوية أو كاملة (Perfect competition) وهذه ليست حقيقة، فهناك الكثير من الشركات التي تحتكر الأسواق عن طريق “السوق الحر”. كيف يصبح السوق “حرًا” إذا كانت شركة واحدة (أو مجموعة) تحتكر ويصعب على شركات أخرى دخول السوق؟ وفي كثير من الأحيان تتدخل الحكومة وتضع لوائح وقوانين أخرى لتنهي الاحتكار. من الوجهتين، كلمة “السوق الحر” كلمة مطاطية ويجب أن تحدد أو تستبدل حتى لا يعيش الناس في “وهم الحرية”، فوهم الناس أنهم أحرار يجعلهم عبيدًا.

قصة عن العمال!

في بريطانيا عام 1819، كان هناك تشريع جديد يناقش داخل البرلمان البريطاني لتنظيم عمالة الأطفال، اسمه “قانون تنظيم مصانع القطن”. كان التنظيم المقترح “لمسة خفيفة ” وفقا للمعايير الحديثة. بمعنى أنه سيمنع توظيف الأطفال تحت سن التاسعة. الأطفال الأكبر عمرًا يمكنهم العمل ولكن فقط لاثنتي عشرة ساعة في اليوم! (من باب الرحمة!). تلك القوانين الجديدة لم تطبق إلا في مصانع القطن التي كانت في ذلك الوقت من أكثر البيئات الصناعية ضارة بالصحة.

الاقتراح تسبب في جدل كبير. قال المعارضون أن هذا القانون يقلل من قيمة “قدسية حرية التعاقد” وبالتالي يدمر الأساس الذي تقوم عليه “حرية” السوق. في مناقشة هذا التشريع، بعض أعضاء مجلس اللوردات اعترضوا عليه على أساس أنه يجب أن يكون العمال أحرارًا! كانت حجتهم: الأطفال يريدون (ويحتاجون) أن يعملوا، وأصحاب المصانع يريدون أن يوظفوهم: إذًا ما المشكلة؟! وهذا منطق مخل! طفل دون سن التاسعة بلا شك يتمتع بحرية كاملة ويعرف أين مستقبله بعد تدمير صحته من قبل تلك المصانع؟!

اليوم، حتى أشد المتحمسين للسوق “الحر” في بريطانيا وغيرها من الدول “المتقدمة” لا يسعهم التفكير في تشغيل الأطفال كجزء من “حزمة تحرير الأسواق” التي يحلمون بها. ولكن، حتى أواخر القرن التاسع عشر أو حتى القرن العشرين أدخلت قوانين “تشغيل الأطفال” في أوروبا وأمريكا، وظل هناك من يظن ويعتقد أن قوانين تشغيل الأطفال ضد مبادئ السوق الحر! إذًا “حرية” الأسواق مثل “الجمال”، في عين كل شخص تختلف كما يقول الاقتصادي في جامعة كامبردج “هجون شنج”. إذا كان السوق يمكن أن ينظر إلى مقياس حريته بدرجات متفاوتة من قبل أشخاص مختلفة، يصبح تعريف فكرة “السوق الحر” صعبًا. بعبارة أخرى، فكرة “السوق الحر” فكرة وهمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد