آثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن ما يعانيه الإسلام من مشكلات حول العامل غضبًا كبيرًا بين الجاليات المسلمة في بلاده، كما أغضبت بالطبع المسلمين حول العالم، فالرئيس الفرنسي لم يفكر في تداعيات تصريحاته التي جاءت في حديث مطول، خلال الأيام الأخيرة، ولم يهتم كثيرً بأصوات المسلمين الذين سيخسرهم في انتخاباته المقبلة. عبر بأريحية عن وجهة نظره عن دين يعتنقه أكثر من مليار مسلم، قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى أنهم سيكونون غثاءً كغثاء السيل.. في حديث مشهور.

ماكرون يعلم جيدًا أن تصريحاته لن تؤثر في مسيرته السياسية، كما أنه لم يلق بالًا لغضبة شعب، أو قادة، أو رجال دين من المسلمين في أي من البلاد، كل ذلك لا يعنيه؛ فنحن بشعوبنا بزعمائنا بقادتنا لا نمثل ثقلًا لنضغط علي أية جهة، وذلك ما يعلمه كل متحدث عن الإسلام بسوء، لذلك يكون الحديث عنا بفظاظة «غالبًا».

لم تمر أيام طويلة حتى جاءه الرد سريعا من سيدة مسنة كانت رهينة لأحد الجماعات الإرهابية في مالي منذ 2016، وقف ماكرون على باب الطائرة التي هبطت في قاعدة فيلاكوبلي الجوية جنوب باريس، منتظرًا صوفي بترونان، التي نجحت الجهود في تحريرها من يد الإرهابيين، مع مجموعة من الأوروبيين، وأفرج عنهم بعد الانقلاب الذي حصل هناك مؤخرًا.

نزلت السيدة من سلم الطائرة ودنا منها الرئيس الشاب ليحتضنها، ولكن بإشارة منها أوقفته، وعدلت حجابها، وكأنها تقول له: أنا مسلمة لا أرتمي في أحضان الغرباء حتى لو كنت مسنة، وأنت رئيس الدولة، كان مشهدًا مؤثرًا، لا سيما بعد أعلنت السيدة إسلامها في وقت لاحق.

الرئيس الفرنسي كان – من وجهة نظري وآخرين – سيستغل الفرصة ويعقد مؤتمرًا صحافيًا مهيبًا، ليعدد عيوب الإسلام والمسلمين، ويشير بأنامله البيضاء، نحو هؤلاء السود في القارة السمراء، ممن يخطفون السيدات ويقتلون الرجال ويجندون الأطفال، ولن يتطرق إلى أن سياسته في مالي فاقمت الأزمة، وتدخلاته زعزعت الاستقرار، كما لم يهتم بغضبة زعماء العالم العربي والإسلامي، إن غضبوا.

كل ذي عقل يعلم جيدًا أن لا دين يدعو إلى القتل والعنف وسفك الدماء، فالأديان من تلك الأفعال براء، ولكن عندما تكون لك خصومة مع دين بعينه، فسريعًا انسب له بعض المارقين عن الإنسانية حتى لو أعلنوا بأنفسهم أنهم ليسوا أتباع ذلك الدين.

ديننا الحنيف يمر بأزمة حقيقية كما قال ماكرون، ولكن الأزمة ليست في الدين بذاته، فدين الله منزه عن كل خطأ، وأسمى من أن ينتقده البشر، دين «داعش» ليس بدين الإسلام، كذلك دين «جيش الرب» ليس بدين المسيحية، وكذلك أتباع جماعة «كاخ» اليهودية، الدين رسالة سماوية تدعونا إلى المحبة والسلام، وما قاله ماكرون يدعو إلى الشقاق والخلاف.

كثير من القادة في الدول العربية والعالم الإسلامي لم يهتموا كثيرا بتربية الأجيال وإيصال المفهوم الحقيقي للدين، ولكن جل همهم وكل جهودهم أن يرسخوا في عقول الأجيال أن الخروج عن الحاكم حرام، ومعارضته كفر، وانتقاده ذنب، وينسبون ذلك للإسلام بأحاديث اعتمدوا على لَيّ نصوصها لتكون على أهوائهم، وهذا أخطر على الإسلام من تصريحات ماكرون الذي حاول فيها أن ينسب مشكلات الأرض إلى المسلمين.

المسلمون في كثير من الدول العربية والإسلامية يعيشون أزمة حقيقية، لا أحد يستطيع أن يعبر عن رأييه ويقول ما يجول بخاطره، أما في تلك الدول حيث يحكم ماكرون وأمثاله، فمن حق أيا ما كان أن ينتقد ويفند ويجادل، وبعض الأحيان يتهكم ويستهزأ بأكبر المسؤولين، وبعد ذلك يذهب إلى بيته آمنا مطمئنا.

أما أنا المسلم بن المسلم القاطن في دولة إسلامية، أزعجها حديث ماكرون العنيف عن الإسلام، أفكر قبل أن أتم كل سطر من سطور ذلك المقال هل من العقل نشره، هل سيعتقلونني، هل أبدل اسمي وصورتي حتى أصبح مجهولا ويصعب عليهم تحديد هويتي، أسألة كثيرة دارت بخلدي قبل النشر.

في إحدى زياراتي لعاصمة النور– باريس- وخلال مسيرتي أنا إبني الأكبر، رأينا وقفة احتجاجية لبعض الأفارقة، يرفعون اللافتات التي دون عليها بالفرنسية “ماكرون فاشل”، وإلى جوارهم بعض الرجال أصحاب الملامح الأوروبية، وخلال سؤالي عرفت أنهم من قوات الشرطة لتأمين الوقفة الاحتجاجية، لتأمين ماذا لتأمين المحتجين – الأفارقة- المهاجرين-، وبعد دقائق مر الرئيس ماكرون هو وموكبه المهيب الذي يضم بخلاف سيارته، عدد دراجة بخارية، وسيارة رينو 1300 سي سي.

في بلادي التي ينتمي حكامها إلى الإسلام، أمثال هؤلاء المحتجين لا يرون نور الشمس سنوات وسنوات، ويضربون ويسحقون وتوجه لهم التهم بمحاولة قلب نظام الحكم، والانتماء لجماعة إرهابية أسست على خلاف القانون- على أساس أن هناك جماعة إرهابية تؤسس وفقا لأحكام القانون.

ماكرون أخطأ عندما ادعى أن الأزمة في الإسلام، فالصحيح أن الأزمة في المارقين من الإسلام، هؤلاء من شوهوا صورة ديننا الحنيف، كما شوه البعض سماحة الدين المسيحي، وكذلك اليهودي، فما من دين نطق به نبي إلا وبه الرحمة وكل الخير، وديننا الحنيف ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولنا الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين، علمنا في حديثه “إنَّ اللّه لا يجمعُ أمَّتي، علَى ضلالةٍ ويدُ اللَّهِ معَ الجماعةِ ، ومَن شذَّ شذَّ إلى النَّارِ”.

القتلة والسفاحون وسافكي دماء الأبرياء هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم، وعلى كل من آراد أن يتحدث عن أفعالهم المشينة أن يفرق بيد جماعتنا – جماعة المسلمين- وهؤلاء المارقين عن خلق الإنسانية ودين الرحمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد