في يناير (كانون الثاني) 2011 ثار شباب مصر اليافع ضد طغيان وجبروت حسني مبارك وعائلته وداخليته، واختاروا 25 يناير تحديدًا لأنه كان عيد الشرطة، وأرادوا إعلان احتجاجهم على ممارساتها وقمعها في يوم عيدهم.

ثم لحق بالشباب جموع الشعب المصري؛ فملأ ميدان التحرير، ثم كافة ميادين المدن المصرية.

وتحت هذا الضغط المفاجئ الذي لم يستطع مبارك ونظامه تحمله آثر النظام التضحية برأسه ليبقى النظام.

وكان من غرائب ثورة يناير ومخادعة نظامه أن حسني مبارك الذي خرجت الملايين مطالبة برحيله كان آخر قراراته التخلي عن رئاسة الجمهورية وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحكم البلاد ضاربًا بالدستور الذي ينظم انتقال السلطة عرض الحائط، وكانت تلك بذرة الثورة المضادة وضعها مبارك في 11 فبراير (شباط)، وتركها لتنمو وتزدهر، ثم تثمر ثمارها المرة في 3 يوليو (تموز) 2013، ولتقضي على آمال الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

نجحت ثورة يناير في خلع رأس النظام وبقي النظام ضاربا بجذوره في النظام السياسي المصري.

وحين ظن الثوار أنهم بدأوا حكم مصر تسللت جذور النظام المباركي فأوقعت ببن الثوار أولا ثم انقضت على رأس الدولة في نظام الثورة، ثم انقضت على كل الثوار أيا كانت انتماءاتهم.

وهكذا انتكست ثورة يناير، وكانت النتيجة أننا نعيش أيامًا أسوأ من أيام مبارك، بل أسوأ من أيام عبد الناصر في مجال الحريات.

ولكن هذا ليس نهاية المطاف؛ فالمسار العالمي يتجه إلى إنهاء الدكتاتوريات العسكرية وإقامة نظم ديمقراطية.

حدث هذا منذ بداية الموجة الثالثة للديمقراطية مطلع السبعينات من القرن العشرين حيث كانت البرتغال وأسبانيا واليونان في أوروبا الغربية تحت الحكم العسكري، وبدأت البرتغال مسيرة التحول الديمقراطي، ثم تلتها إسبانيا، ثم اليونان.

ثم بدأ التحول الكبير بانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه والثورات في دول أوروبا الشرقية وتوجهها نحو الديمقراطية.

ثم تسللت الديمقراطية إلى آسيا وأمريكا الجنوبية، فبدأ سقوط الأنظمة العسكرية في تلك الدول في الأرجنتين بعد غزو فوكلاند.

ثم في الفلبين وإندونيسا وكوريا الجنوبية، ثم إلى معظم دول أمريكا اللاتينية.

وبعدها بدأ المد الديمقراطي يتمدد إلى أفريقيا، فشهدنا سقوط أنظمة عسكرية، وبزوغ أنظمة جديدة من انتخابات حرة نزيهة في جنوب أفريقيا ونيجيريا والسنغال وغيرها، وآخرها تجربة مالي، وانتخابات الرئاسة فيها، والتي أسفرت جولتها الأولى منذ أيام عن جولة إعادة بين الرئيس الحالي وزعيم المعارضة.

وإذا كانت الديمقراطية تتمدد في كل بقاع الدنيا، فإن الغرب يعمل على تحريمها على بلدان الشرق الأوسط، ففرنسا وأمريكا ساهمتا في إسقاط التجربة الجزائرية في مطلع التسعينات من القرن الماضي حين فاز إسلاميون بالأغلبية في هذه الانتخابات، وقام الجيش من وراء ستار بإلغاء الانتخابات، وإجبار الرئيس على الاستقالة، ثم تحويل المسألة لإرهاب يقتل الأبرياء، ويصنع مبررًا للجيش للقمع وقتل الأبرياء أيضًا، وكانت تجربة مريرة لقي فيها مئات الآلاف من الشعب الجزائري حتفه؛ ليبقى حكم العسكر من وراء الستار.

ثم كانت تجربة حماس التي كانت ترفض المشاركة في الانتخابات الفلسطينية، ولما قبلت تحت ضغط المشاركة في تلك الانتخابات، وحققت المفاجأة بالفوز بأغلببة حوالي 75% من مقاعد البرلمان، إذ بنظام عباس يضع العراقيل في وجه حكومة حماس الفائزة؛ حتى وصل الأمر لفصل غزة عن الضفة وحصار غزة الذي شاركت فيه مع الصهاينة حكومتا عباس ومبارك، ومن وراء ستار حكومات الخليج التي ترتعب من الديمقراطية، حتى أنها جعلت من مقاطعة حماس شرطًا للمصالحة مع قطر!

ثم كانت ثورة يناير المجيدة وما تلاها من انتخابات برلمانية، ثم رئاسية فاز بكليهما الإسلاميون؛ مما أزعج الجيش والنخب والدولة العميقة في الداخل ودول الخليج البترولية والغرب؛ فدبروا المؤامرات، وأنفقوا المليارات، ثم نحجوا في إجهاض التجربة الديمقراطية الجميلة الناشئة في مصر وإعادتها للحكم العسكري.

وهل هل سيتوقف التاريخ وتبقى مصر تحت الحكم العسكري أو الوراثي؟

لا أظن ذلك فعجلة التاريخ لن تتوقف والتحول العالمي نحو الحكم الديمقراطي مستمر حتى لو كان بطيئًا.

ولذا أتوقع في لحظة ما ثورة في مصر أعظم من ثورة يناير، وأكثر سلمية منها يقوم بها الشباب أيضًا، وربما الذين هم اليوم أطفال سيستكملون ما بدأه شباب 25 يناير 2011.

حينها سيتخلص المصريون من نظام 23 يوليو كاملًا، والذي فرض نفسه وليًا على الشعب الذي ينظرون إليه باستعلاء زاعمين أن الشعب المصري ليس مؤهلًا لحكم نفسه واختيار حكامه.

إن مصر والمنطقة العربية رغم غناها بالبترول الذي يعيش عليه الغرب، ولكن لن تكون المنطقة نشازًا عن المسار العالمي في التوجه الديمقراطي، ومهما تحالفت الجيوش وأنظمة البترول، وأنفقوا مليارات شعوبهم لوأد حلم الحرية وقتل أي أمل في ثورة تجتثهم فإنهم مهما بلغت قوتهم وملياراتهم لن يكونوا أبدًا عقبة توقف مسار التاريخ.

فقط أتمنى أن أحيا حتى أرى أمتي حرة تختار حكامها وتحاسبهم وتعزلهم إذا قصروا، وأسأل الله أن يكون ذلك قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد