هي من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا نحن بني آدم، وأنا هنا أحاول أن أكون موضوعيًّا عندما أقول من أعظم النعم، ولا أبالغ فأقول إنها أعظم هذه النعم، لأن هناك من النعم ما يُقدَّم على الحرية حقًا، وذلك مثل نعمة الحياة والعقل والإسلام.

ولكني لا أكون مبالغًا مطلقًا عندما أقول إنها من أعظم هذه النعم.

 

والحرية خصيصة اختص الله بها البشر، ولم يجعلها لغيرهم من مخلوقاته، اللهم إلا ما كان منها لبني الجن أيضًا، فهم خلق كبني آدم مخيرون ومحاسبون بعد ذلك، ولكنهم تابعون في كل شأنهم للبشر، فالأنبياء من بني آدم والجن تبع لهم، والشرائع والكتب السماوية لبني آدم والجن تبع لهم.

 

خلق الله الملائكة مجبولين على عبادته، ليس لهم خيار في ذلك، ولم يجعل الله لهم عقولًا ولا رغبات وشهوات تنازع هذه الجبلّة نحو عبادة الله والتسليم له.

وخلق الله الحيوانات والبهائم مسيّرة لهدف واحد ومحدد، ليس لها خيار فيه ولا من ورائه، إنما تأكل وتشرب لتعيش وتتكاثر، فيستعين بها الإنسان على حياته وتسخّر له من أجل ذلك.

أو لتحدث توازنًا بيولوجيًا في حياتنا، وتكوّن من أنواعها المختلفة تشابكًا حيويًا عجيبًا يحافظ بشكل جلي وخفي على بقاء الحياة واستمرارها.

والأرض والسماوات والأفلاك كلها مسيرة بغير إرادة منها في مساراتها التي لا تخطئها ولا تحيد عنها، وليست مكلفة بشيء مع ذلك، وليست محاسبة على شيء بعد ذلك.

 

إذن، الحرية خلقت لنا نحن البشر.

 

وبعد، فهذه بعض المسائل والتعريجات حول الحرية وبعض جوانبها المختلفة.

 

هل نحن أحرار مخيرون أم مجبورون مسيرون؟!

بالرغم من أننا نتحدث ابتداء عن أن الحرية من خصائصنا نحن البشر التي اختصنا الله بها وخلقها لنا، وبالتالي فسيكون حسابه لنا عليها في نهاية قصتنا.

إلا أن المسألة أشكل وأعمق من هذه الإجابة المباشرة الواثقة، فالفلاسفة وأهل الكلام والعلماء قد ناقشوا هذه المسألة، وأثبتوا في مباحثهم وكتبهم عنوانها الشهير «الإنسان بين الجبر والاختيار».

وقد اعتقد بعضهم بالجبر ونفوا الحرية حتى سمّوا بـ«الجبرية».

 

وكانت التساؤلات…

هل أكل آدم من الشجرة باختياره وحريته أم أنه جبر على ذلك حتى يخرج للأرض وتبدأ قصته هو وبنيه التي أرادها الله لهم من البداية حيث قال في أول خلقه «إني جاعل في الأرض خليفة».

وهل رفض إبليس السجود لآدم بحريته واختياره أم أنه جبر على ذلك ليوسوس لآدم بالأكل من الشجرة، ويخرجا معًا من جنة الله، فتبدأ الحياة الدنيا كما أرادها الله، (بنو آدم المخاطبون المكلفون، وبنو إبليس الموسوسون المزيفون).

تساؤلات تشغل العقول منذ القدم.

الحلاج ذلك المتصوف الكبير الذي حير العالم بفنائه في الذات الإلهية، حتى غاب في غياهب الحلول والاتحاد يقول في المسألة:

ما يفعل العبد والأقدار جارية           عليه في كل حال أيها الرائي

ألقاه في اليم مكـتوفًا وقال لـه            إيـاك إيـاك أن تـبتـلَّ بالـمـاءِ

 

غير أني في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل الاعتقادية التي تثير إشكالات أتبع طريقًا سهلًا قد أنعم الله به علي، يعالج شكوكي ويثبت يقيني.

أقول:

– ألست ترى الله قادرًا قدرة لا تحد بحد؟

– نعم أراه كذلك.

والدليل هذه القدرة المبهرة في خلق الكون بكل ما فيه، وما كانت لتكون إلا بأن تكون قدرة بلا حد.

– وكيف ترى لو أن الله خلقنا مجبورين غير مختارين؟

– كنت لأراه ربًا ظالمًا يحاسبنا على ما جبرنا عليه.

– وكيف ترى الظلم في حق الله، أنقص هو أم كمال؟

– بل نقص وعيب كبير.

– فإذا كان كما قلنا قادرًا على كل شيء، فلماذا يقبل أن يكون ظالمًا ناقصًا، ولا يجعل نفسه عادلًا كاملًا وهو القادر على ذلك.

إذن، فالله عادل كامل، لم يجبرنا على شيء سيحاسبنا عليه من بعد، بل جعلنا أحرارًا مختارين.

وليس لك أيها العقل غير ذاك، فالزم مداك، وقف عند منتهاك.

 

– الإسلام دين العبودية وليس دين الحرية.

كثيرًا ما ندافع عن الإسلام أمام منكريه وجاحديه فنقول إنه دين الحرية، وإن الحرية الحقيقية لا توجد إلا في الإسلام وعند معتنقيه ومؤمنيه.

والحقيقة أن هذا منطقي من وجوه يجوز فيها أن نتحدث بهذه اللغة، وخصوصًا في هذا الزمان الذي أصبحت فيه الحرية إلهًا يُعبد وتقدم لها القرابين الكثيرة من أديان وأعراف وقوانين ثم تذبح على عتباتها المقدسة.

ولكن الإسلام في حقيقته المطلقة هو عبودية حقيقية لله تبارك وتعالى، يسلّم الإنسان فيه قياده وحياته لربه، وعلى قدر استطاعته في أن يقيد من حريته ويكبل في رغباته وانطلاقاته يكون قدره وثوابه عند الله.

 

في كل أمر من أمور المسلم وكل شأن من شؤونه مراد لله تبارك وتعالى وكيفية قيده الله بها، لا ينام ويصحو ويأكل ويشرب ويتحدث ويصمت… إلا مراقبًا لله ومؤديًا ما أوجبه عليه فيها.

قيود وقيود، وعبودية حقيقية واضحة.

فإذا كنا نقول إن الإسلام هو دين الحرية، فهو دين الحرية من حيث أنه جاء ليحررنا من كل عبودية لأي مخلوق، ثم يبقي عبودية واحدة للخالق سبحانه وتعالى.

وتبقى العبودية لله ثمنًا مستحقًا، ندفعه على رضا ورغبة منا، تأدية لحق الله علينا في الخلق والعناية، وطلبًا لثوابه وجزائه من وراء ذلك.

 

ومن هنا كان رفض العبودية إلا لله، ورفض القيود إلا ما كان من قيوده وحدوده.

أقول في قصيدة لي بعنوان (أنا حر):

 

أنا حر، وأعشق لفظ حريّه

وفي قلبي على دقاته ولها
ستشدو ألف أغنيّه

وأرجو أن يكون مداي
لا حد يحد به وليس به معالم

لا ترى أُخراه عينيّه

وأكره أي قيد مانع من أي إطلاق

وليس لغير ذات الله أرضاها العبوديه.

 

الأنظمة المستبدة، والحرية المقتولة.

عبودية من نوع آخر تلك التي تُجبر عليها الشعوب المتخلفة الجبانة من قبل أنظمتها الديكتاتورية الظالمة.

عندما نقرأ في علوم الاجتماع والعمران البشري والتاريخ، نرى أن الإنسان قد بدأ حياته على هذه الأرض فردًا حرًا منطلقًا، ثم لما كثر نسله، وتشابكت العلاقات، واختلفت المصالح، وظهر الفساد والقهر والظلم، رأى الناس أن يتخذوا لأنفسهم تجمعات يكون لها قوانين وأعراف تحكمها، ويكون لها رؤساء يقومون على هذه القوانين والأحكام، وقد مر الأمر بمراحل وتطورات حتى وصل إلى شكل الدولة كما نراها اليوم.

الدولة التي نراها في زماننا الحاضر وقد بلغت من القوة والسيطرة على حياة أبنائها ورعاياها إلى درجة ما كانت من قبل، وما كان ليتخيلها بشر، ولذلك بدت ديكتاتورية الحكام والأنظمة في هذا العصر كأبشع ما تكون الديكتاتوريات، ولم يكن لسابقتها في الأزمنة الماضية هذه القدرة على البطش والجبروت والسيطرة.

غدا الحكام آلهة تعبد بحق، لا تنازع الإله الحقيقي في حقوقه وما ينبغي له، بل تنحيه تمامًا عن المشهد، فيغدو كل ما كان ينبغي أن يكون له لها هي.

عبودية من الأفراد لحاكميهم، لا يرون إلا ما يرى حكامهم، ولا ينظرون أصلًا إلا إلى ما يوجههم إليه هؤلاء الحكام.

يقول الشاعر أحمد مطر معبرًا عن ذلك:

أنت بفضل الحاكم حر

أن تختار الشيء وأن تختار الشيء الضد

أن تصبح عبدًا للحاكم

أو تصبح للحاكم عبدا

 

ولو كان الخيار بين هذا الاستعباد وبين تلك الحرية التي كانت للإنسان في بدايات وجوده بعيدًا عن قيود التجمعات والقوانين والأحكام؛ لكان التفضيل لتلك الحرية حتى لو كانت مع الفوضى، على هذه الجماعية مع الاستعباد والقهر.

 

العمل الإسلامي الجماعي والحرية الناقصة.

هل هناك حقًا حرية كاملة في الحركة والرأي والتفكير لأولئك الذين ارتضوا لأنفسهم أن يعملوا لخدمة هذا الدين وهذه الأمة من خلال عمل حركي جماعي منظم؟

الإجابة التي لا بد أن لا يماري فيها أحد، أنه لا توجد هذه الحرية الكاملة أبدًا لأبناء هذه الجماعات والتنظيمات.

كيف وأول ما ينبغي أن يفعله الفرد المنتمي لهذه التنظيمات هو أن يواري شخصه وذاته أمام الشخصية الاعتبارية لجماعته وتنظيمه.

ليس له أن يعبر عن رأيه إذا ما رأت الجماعة رأيًا آخر.

وليس له أن يناقش قرارًا بعدما يعتمد من قياداته ورؤسائه.

وليس له إلا طاعة تتوجب عليه تجاه جماعته وتنظيمه.

إنها حقًا قيود تقيّد، ومضايق تضيّق، وأغلال يغل بها الفرد نفسه في مثل هذه الجماعات والتنظيمات.

ولكن، هل يستحق العمل الجماعي المنظم أن يتنازل الفرد فيه عن جزء كبير من حريته من أجله؟

الإجابة؛ نعم يستحق.

إذا كان لا ينبغي لأحد أن يماري في أن هناك قيودًا تكون على أبناء العمل الإسلامي المنظم، فإنه لا ينبغي لأحد أن يماري في أن أعظم ما يخدم هذا الدين وهذه الأمة في هذا الزمان هو ذلك العمل المنظم.

ثمرة عظيمة ونتاج ضخم يستحق منا جميعًا أن نتنازل لأجله عن قدر من هذه الحرية المعشوقة.

وعلى الجماعة والتنظيم أيضًا أن لا يحجرا ويضيقا على أبنائهما إلى الحد الذي يكون معه الضيق والتأفف. فلا ضير في أن يعبر الفرد في الجماعة عن رأيه الخاص وإن خالف رؤية الجماعة، مع إعلانه في النهاية أنه مع قرارها وتوجهها الذي تأخذه بالشورى وآلياتها. لا حساسية مطلقًا في أن يعبر كل فرد عن رؤاه وتوجهاته ابتداءً، ثم يكون السير الجماعي والقرار الجماعي ملزمًا للجميع في النهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد