كثيرًا ما تتناول الصفحات الاجتماعية قضية الصداقة وتلقي طلبات الصداقة عبر مواقع التواصل، ثم نجد التعليقات التي يتجمهر حولها الجنسان من كل حدب وصوب، ثلة تنقد السلوك بطريقة ساخرة وغيرها تغضب لحد الشجار.

ما هي الصداقة؟

تُعرف على أنها عطف متبادل بين شخصين أو أكثر، حيث يود كل منهما الآخر ويتمنى الواحد منهما الخير لصديقه مع علمه بأن الآخر يبادله المشاعر نفسها، وتكون الصداقة في أكمل أوجهها عندما تتوافر لها أسس المحبة: المنفعة والفضيلة والصداقة الحقة لا تتكون بسرعة أبدا ولا تكتمل إلا على مدى الزمن.
فهل طالب الصداقة عبر الفضاء الافتراضي يدرك مفهومها وجدواها؟ وهل هذا الهدف الحقيقي الذي يبحث عنه مرسل الطلبات الإلكترونية؟

أهداف الصداقة عبر مواقع التواصل (تجربة خاصة)

التفاعلات الخارجية عبر حسابات التواصل الاجتماعي ظاهرة للعيان، وبإمكانه أن يشارك في هذه العملية التفاعلية، لكن ماذا عن ما يدور في المكان الخاص «صندوق الوارد أو INBOX»؟ كلنا لدينا ذلك الجانب من الخصوصية الذي نحفظه عن الجميع بدليل أن الغالبية العُظمى تضع كلمة مرور عبر جواله الشخصي، فإذا كانت مكونات مواقع التواصل تفاعلات خارجية مكشوفة وتفاعلات داخلية «مُخبئة» فماذا يدور فيها؟ ولماذا الغضب من طلبات الصداقة والرسائل؟

«تجربة خاصة»

قام الكاتب بإجراء تجربة بسيطة لعدة أشهر بإنشاء حساب وهمي يتقمص شخصية فتاة وآخر يتقمص شخصية شاب، مع مراعاة تكييف نفس ظروف التفاعل للحسابين ضمن عينة عشوائية. عدد طلبات الصداقة التي تلقاها حساب الشاب لا يتجاوز أصابع اليد، وفيما يخص حساب الفتاة فالطلبات كانت كثيرا جدا ومئات الرسائل ومحاولات الاتصال والتقرب.

قبل طرح أهداف الصداقة المرسلة من الشاب للفتاة حسب ما أظهرته حالة التقمص لدور الفتاة، قمت بإجراء استطلاع حول أغراض الصداقة بين الشاب والفتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتركت الإجابة حرة لكلا الجنسين، التعليق الذي حفظته من إحدى المشاركات في الاستطلاع قالت (لدي أكثر من 500 رسالة غير مقروءة) أكاد أجزم أن رئيس وزراء دولة لدينا لم يتلق هذا الكم من الرسائل!، والنتائج كانت على النحو التالي مُرتبة حسب التكرارت:

  • البحث عن علاقات عاطفية ومنها ما هو محاولات لتفريغ الكبت الجنسي والتحرش.
  • البحث عن صداقة بهدف تعبئة الوقت والتعرف إلى أناس جدد.
  • متابعة الأفكار والآراء والمعلومات.
  • ضعف الشخصية أو الخجل أو عدم القدرة على المواجهة الحقيقية.
  • التعارف الجاد لغرض الارتباط.

على هذا النحو كانت الإجابات من طرف الجمهور من جهة وما أفضت إليه تكرارات حالة التقمص عبر الفيس بوك.
بعملية مقارنة بسيطة بين تعريف القيم النبيلة للصداقة الذي ذكرناه آنفا وأهداف الصداقة التي يرجوها شبابنا فإنك تكاد لا تجد أي صلة بين التعريف والسلوك، وعليه فإن لفظ صداقة هنا ما هو إلا «محاولة لخداع النفس وإسكات الضمير الأخلاقي» تحت عنوان صداقة.

صداقة الشاب والفتاة «العُرف الاجتماعي والدين»

1- العُرف الاجتماعي هو أحد أهم ضوابط السلوك البشري، فمهما برزت طفرات على السلوك إلا أن العُرف والنمط يبقى فاعلا حتى استحداث نموذج آخر وهي عملية تحتاج أجيالا متعاقبة، ففي منطقتنا العربية ومحاولات تزخيم الانفتاح السلوكي، إلا أن فكرة الصداقة إلى اليوم لا زالت غير مهضومة تمامًا، والسبب في ذلك أننا نعرف أنفسنا جيدًا «أننا لا نطبق الصداقة ولا نحترمها» فلو سألت أي شخص هل تقبل أن يكون لأختك أو ابنتك صديق؟ بالتأكيد كلنا نعرف الإجابة.
إلا من حالات ضيقة من خلال الفسحة التي وفرتها الجامعة أو الوظيفة في تفاعلات الحياة اليومية، ضمن ضوابط واضحة تماما.

2- لا يوجد في الإسلام ما يسمى بالصداقة بين الرجل والمرأة «الأجنبية»، طبعا هذا لا يلغي التعامل مع المرأة في الحياة، حيث إن العلاقة قائمة على مبدأ «الاحتياج المشروع»، إن وجِدَ سبب للتعامل لا حرج في ذلك، لكن ليس من الطبيعي أن يكون هناك تعامل.

وللتعامل كيفية وجب التزامها في حدود تعاليم الإسلام، بحيث تبقى العلاقة منضبطة، وقد وضع علماء الشريعة ضوابط للتعامل «لا خلوة، لا لمس، لا مُزاح زائد، وغضٌ للبصر».

مُلخص لحقيقة السلوك

«الزمركلُ» يا عزيزي القارئ هو لصٌ كان يسرق في الليل من معسكرات الإفرنج والمسلمين ومجاهدا مع الجيش في اليوم الآخر خلال الحروب الصليبية شمال الشام، وفي هذا أنا أزعُمُ أن «الزمركلُ» نمط عام يلخص أنفسنا، إذ أننا نُشهر المثالية كجهاد «الزمركل» الذي يراه الناس، وندرأ عكس المثالية كاللص في الليل، مجاهد في موقف ولصٌ في غيره فالمرسل لطلبات الصداقة دون إطناب هو داعية الخير في لحظة وفاعل السوء في لحظة أخرى.

حانت لحظة كشف الحقيقة وإماطة اللثام دون رحمة «إن مجتمعًا لا يدعي الفضيلة ولا يطبقها أفضل من مجتمع يدعي الفضيلة ولا يطبقها، فالأول واضح له ما له وعليه ما عليه، أما الآخر فينفخ هالةً من القيم حوله غير موجودة أساسًا تتسبب فيما بعد بفقدان الثقة بين أفراده»، لذلك نحن لا نثق بالصداقة بين الجنسين، ونضحكُ ساخرين متهكمين عندما نُبررها بِلفظ «صداقة بريئة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد