نعيش في القرن الحادي والعشرين، وعقولنا ما تزال مأسورة في القرن العشرين، فمنذ مرحلة ما بعد الاستعمار والاستقلال، لم تشهد سوريا استقرارًا سياسيًا إلا بعد أمد طويل، ويمكننا القول إن هذا الاستقرار لم يكن بجهود ذاتية ولا فئات سياسية، بل فرض علينا من يد غريبة بعد استقرار الأمر لشخصٍ مناسب، يستبقي على آثار الاستعمار وحافظًا لمصالحهم الاستعمارية.
ويمكن القول إن هذا الاستقرار لم يكن إلا اسميًا وظاهريًا، حيث إن نواة الفوضى الخلّاقة والكبت المجتمعي، تنامى شيئًا فشيئًا مع مرور الوقت كقنبلة موقوتة، حتى جاء يوم الميعاد، يوم انفجار الشارع، وابتداء الصّدام المحتم بين الشعب المستأنف لطريق حريته ومستقبله، وإدارة الدولة الموجهة خارجيًا التي كانت تعمل على إعاقة هذا السير طوال عقود قد خلت.

ويفسر لنا مالك بن نبي هذا الصّدام فيقول: وكان هذا الصّدام يقتضي أن يؤول بصورة حتمية إلى ثورة للنشاط المسلّح لشعب مصمم على تقويض الحواجز التي تسد مستقبله. كتاب القضايا الكبرى، محاضرة مشكلة الحضارة 9 يناير (كانون الثاني) 2019.
خرجت الثورة السورية شاقةً طريق الحرية، وناشدةً العدل والديمقراطية، إلا أنها انتكست انتكاسًا كبيرًا، وليس السبب فقدان عنصر القوة والتكالب الدولي عليها فحسب، بل لفقدان القدرة على إنتاج جهد اجتماعي فعّال وإدارة ذاتية منظمة، وهذا يعني فقدان التكامل الاجتماعي فيها، ناهيك عن الفصائلية والفرقة وغياب النخبة السياسية وغيرها من الأسباب العديدة، والمقصود من هذا كله، أننا مازلنا غارقين في دوّامة (القابلية للاستعمار) كما عبر عنها مالك بن نبي.
فمفاد الأمر، إن جهود الثورة والثمن الباهظ الذي دفع، لم يذهب سدى، ولم يكن هباءًا منثورًا، بل بداية نقلة نوعية مستقبلية، غُرست نواتها الآن وحصادها في الغد!

حيث إن الثورة قد مزقت الغشاوة والضباب الذي رانا على الشعب السوري، وإن كانت لم تزحه إزاحة تامة، لكنها استطاعت أن تفتح الأفق لكثير من العقول لإزاحة عوائق الفكر والتجديد، وفهم الواقع وكشف الحقائق التي غُيّبنا عنها لعقود طويلة، وخوض تجارب سياسية واجتماعية وإدارية ناجحة كانت أم مخفقة.
والأهم من هذا كله، أنها أنتجت جيلًا جديدًا، ذا بأسٍ وجلد، ملمًا بأحداثها وتجاربها، باحثًا عن سبل جديدة، مجددًا لأدواتها، مصححًا لأخطائها، مقوّمًا لعثراتها، موحدًا لصفوفها، لاستئناف طريق الحرية والمستقبل ولو بعد حين.
هذه ثمرة ثورتنا المستقبلية، التي ننشدها، مكملة ومقوّمة لطريقٍ أنهكته أهوال سنوات عجاف.

ولكن هذه الثمرة بحاجة لحاضنة فكرية علمية، لاستيعابها وتنميتها بحرص وإتقان دائم، بعيد عن الأديولوجيات والصراعات الفكرية، وإلا سقطت في دوّامة أجدادها ـ القابلية للاستعمار ـ كسابقاتها من الثمرات.
ومن هنا نعلم أن الثورة وإن تحقق مرادها، لا يعني أن المجتمع قد خرج من دوّامته وأنه قد نجا من غرقه، بل هناك بداية حلقة جديدة، مليئة بالفوضى والصراعات المتجددة، وهذا حال ما بعد الثورات.

وهذا ما نستطيع استنتاجه من الثورات العربية – قديمة كانت أم حديثة، بنجاحاتها أو إخفاقاتها – أن مجتمعاتها بقيت غارقةً في دوّاماتها، وتكرر سيناريو الصّدام والمواجه نفسه، والسبب هذا إضاعة ثمار ثوراتهم، دون التنمية أو التجديد، وعودة الفرقة والتحزب للأيديولوجيات، حتى صار الأمر لغلبة القوة، متفردة بالسلطة دون العقل، وذهاب دور الإصلاحيين هباءً منثورًا، أو بقي كلمات وحروف تُقرأ ولا تطبق. وهذه معضلة أخرى ساهمت في إبقاء المجتمعات العربية في رُكود، عدم تحويل الفكر والوعي لواقع وعمل، وبمعنى آخر الكلام دون العمل.

ونستنتج من هذا كله أن هذا الجيل الثوري الناشئ بين أزقة الدمار، وعلى قصف المدافع والطائرات، هو الثمرة الوحيدة، التي يمكن اكتسابها بنجاح أو إخفاق الثورة، فلا رهان عليها كباقي الثمرات.

وهذا ما يستدعي الحفاظ على هذا الجيل من التشتت والضياع، فهو أملنا الوحيد لإستعادة عافية الثورة، وضمان المستقبل لبلادنا.
ولهذا خطوات وآليات لابد من تطبيقها، من قيادة الجيل الثوري توجيهيًا ورقابيًا من قبل أصحاب العلم والفكر والعقول البارزة، أصحاب المناهج المعتدلة، التي لا تطرف فيها ولا تفريط، ضمن تكتلات شبابية، لتغذيتهم فكريًا وعلميًا ومحاكات الواقع.
والاهتمام بتنمية واستثمار قدراتهم وطاقاتهم العلمية والعملية على نشر الفكر والوعي باستمرارية في مجتمعهم، وتعزيز روح الوحدة والتعاون بينهم.

والعمل على تهيئة وإدماج هذا الجيل في مجالات العمل السياسي والاجتماعي، لسد هذا الفراغ الكبير في مجتمعنا.

فبتنمية وحفظ هذه الثمرة، يمكننا التخلص من تركةِ أجدادنا، التي أثقلت كاهلنا القابلية للاستعمار، فالثورة بدورها أزاحت الجزء الكبير من هذه الغمامة، والتكملة في اكتساب ثمرتها. فما زالت ثورة الحرية والكرامة مستمرة، وستبقى مستمرة حتى بلوغ المرام إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد