وفاة الراحل حاتم علي أعادت أحاديث الدور الوظيفي للدراما العربية إلى الواجهة، وأعادت الحسرات على ندرة الأعمال الملتزمة النادرة في الدراما العربية، كما أنها عززت انقسامات الناس في تقييمها للدور والأداء والرسالة الدرامية العربية، وإذا أردنا أن نستعرض أكثر الأعمال الدرامية المنتجة خلال السنوات الخمس السابقة، لوجدنا أن محتواها يحتفل بالتركيز على تصنيف وحيد، وهو عرض القضايا الاجتماعية لطبقة النبلاء والأثرياء بقصورهم المنيفة، وسياراتهم الفارهة، ومشاكلهم المفتعلة، ونقاشاتهم المبهمة، ومنطقهم الهزلي. وهذا لا يقتصر فقط على الأعمال التي تصور الحياة المعاصرة، ولكنه أيضًا يمتد للأعمال التي تغطي حقبًا قد خلت، فتجد أن مختار الحارة وزعيم الجماعة وسيد القبيلة قد خصه المخرج دون البقية بالثراء ووفرة المال وكثرة الأحداث وطول المشاهد المرتبطة به.

وغلبة هذا اللون في الأعمال الدرامية يدعونا لتحليل الأسباب التي دفعت الأنظمة العربية إلى تبنيه ودعمه. وقد تشتمل ولا تقتصر على الآتي:

أولًا. سطحية القضايا التي تعالج: فمن خلال عرض قصص المترفين وسرد حكايا الأثرياء يستطيع فريق العمل أن يجعل العمل كاملًا يدور حول نفسه بحوارات مبتذلة وأحداث لا قيمة حقيقية لها، فالمهم هو إكثار عرض الحياة المترفة وإشباع عين المشاهد، دون أن يضطر كادر العمل أن يعالج القضايا العميقة المطروحة في الشارع، أو أن يذهب بعمله إلى متاهات المشكلات الجديّة، وبذلك يتم شغل الجمهور بقضايا تنكرية مستعارة لا تنتمي لحياتهم، ولا تنطبق تحدياتها على عالمهم.

ثانيًا: إضفاء شعور الدونية لدى أفراد المجتمع: فهذه الأعمال التي تصور النمط المعيشي المبالغ فيه والإسراف الكبير المرافق لكل أسباب الرفاهية المطلقة والاستعلاء المتجسد في عظمة القصور وحداثة السيارات وترتيب الحدائق وكثرة المسابح وغيرها. لابد سيترك في نفوس الفقراء والبسطاء والمساكين شعورًا عميقًا بالدونية وإحساسًا مستمرًا بعدم الرقي. وسؤال الاستنكار الطبقي يكون هو السؤال الخفي الذي تطرحه تلك الأعمال مجتمعة، فكأن لسان حالها يقول: يؤنب المتعففون والبسطاء أن يقارنوا أنفسهم يومًا بطبقة الحكام، والسادة، والساسة، فكيف لهم أن ينافسوهم!

وبنفس الوقت تتحول دقائق وساعات المشاهدة أمام شاشات التلفاز إلى لحظات خلاص وتحرر يومية يقضيها أولئك المحطمون نفسيًا من أجل تحقق افتراضي لأحلامهم المستحيلة ومحاكاة تخيلية لما يأملون بالحصول عليه. وكأني بهم يعتقدون أن الممثل خلف الشاشة هو من يحاكيهم وهم في حالة التحقق المثالي لأحلامهم. ولا مجال للشك هنا أن هذه الأعمال تستدرج المشاهد خارج عالمه الحقيقي، وتحطم اعتقاده بحقه في التغيير السياسي والاجتماعي الكبير.

ثالثًا: النقل من التجارب الأخرى: وهذا صحيح بشكل نسبي فقد أصبح واضحًا التأثر العربي بالدراما التركية على سبيل المثال، وعلى وجه الخصوص بعد دبلجة عدد من الأعمال التركية المنسجمة مع هذا اللون من الأعمال التي نتحدث عنها، إلا أن الحقيقة وراء ذلك أن شركات الإنتاج العربي انتقت بشكل مدروس من الدراما التركية ما يوافق خطتها ويمهد الطريق لأعمالها الخاصة التي تنسجها على نفس المنوال. ولم تكن تلك الشركات عادلة مع جمهورها حتى في النقل من الدراما التركية أو غيرها بتنوعها الكبير، فتلك الدراما أنتجت الغث والثمين معًا، الرديء والجيد، الفاسد والصالح، فلماذا اقتصر الاستيراد العربي للدراما على الغث الرديء الفاسد وترك ما سواه؟

رابعًا: الشعور بملكية الطبقة الحاكمة والشخصيات النافذة لكل ما هو في الحياة وحقهم في تسخيره بما يخدم مصالحهم: وهذا الشعور ربما دفعهم إلى البحث عن أعمال قد تتحدث عن قضايا هذه الطبقة الفاسدة التي تسيطر على البلاد والتي تسلطت على العباد، وكأنهم يريدون للدراما أن تنتج أعمالًا يتم تمويلها من الأرباح التي يدفعها المشاهد المسكين بشكل غير مباشر ويتم تخصيصها لقضايا المترفين، وهذا يشكل ظهورًا إضافيًا للشخصية الاستغلالية والانتهازية التي لا تكاد تدخل ميدانًا إلا تراها، وبنفس الوقت هذا مؤشر على عمق انفصالهم عن دنيا الناس تحت أقدامهم.

خامسًا: الإقصاء المتعمد لكاتب الشارع الذي يتحدث عن تجربته: ولعل هذا يكون من أبرز الأسباب. فكلنا يعلم أن التدرج في أي موقع، أو منصب، أو عمل، أو مهنة، أو وظيفية، يتطلب المرور عبر فلاتر تقيس شعور انتماء الشخص للطبقة الحاكمة أو المسيطرة، ويجب أن يرافق على مدار الأحداث بشهادات حسن التطبيل والتزمير للمتنفذين. وخاصة عندما يكون لتلك المواقع تأثيرًا على المجتمع بشكل عام، وربما تعاظمت هذه الحالة بعد أن صدمت بعض الأنظمة العربية بميل فنانين، وكتاب، ومؤلفين، وأدباء، وغيرهم إلى ثورات الربيع العربي، على الرغم من أن هذا الميل ظل متأرجحًا ومحدودًا في أعظم الأحايين. إلا أن حقيقة الهشاشة لهذه الأنظمة تجعلها لا تتقبل المغامرة ولا تحب المفاجأة، لذلك ازدادت جهود اللوبيات المسيطرة على صناعة الدراما من أجل إقصاء كل كاتب صادق أو فنان حقيقي يمثل الجماهير بعواطفها ومشاكلها وصعوبة حياتها، ويعالج ويحلل من خلال أعماله ما يرقى أن يمثل قضايا الشارع الذي ينتمي إليه.

أخيرًا: فإن المشاهد العربي عليه أن يفكر بثورة جديدة في المتابعة والمشاهدة يبنيها على أساس الجدية والمسؤولية، وأن يخلع من رجله الأعمال الخبيثة التي تعتبر حلقة في مسلسل الإجرام الاستبدادي المستمر تطبيقه على شعوب المنطقة. ومن جانب آخر فإن دعم الثورات العربية من المؤسسات والدول لا يقتصر على دعم الثائرين الأفراد، بل لا بد أن يمتد ليشمل دعمًا إضافيًا من أجل إيجاد محتوى عربي بديل يركز على القضايا المصيرية، ويجسد بشكل موثوق تجاربها وأحلامها وتطلعاتها، ويناقش على بساط المنطق السليم، والغوص العميق، مشاكلها، وبذلك يصبح قرار مواجهة المشاهد الفرد لهذه الأعمال قرارًا ممكنًا. ويفتح نورًا في آخر هذا السرداب الطويل المظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد